تقارير

صهاريج عدن.. حكاية يمنية منقوشة بالصخر والماء




عدن -عدن اوبزيرفر: في خطوة تعكس الاعتراف بقيمة التراث اليمني العريق، أدرجت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) الصهاريج الطويلة، وهي منظومة متكاملة من خزانات المياه القديمة المنحوتة في جبل شمسان بمدينة عدن، ضمن سجل التراث العمراني العربي. ويمثل هذا الإدراج إنجازًا ثقافيًا بارزًا، يعيد تسليط الضوء على أحد أقدم المعالم الهندسية في اليمن، ويعزز مكانته في الذاكرة العربية المشتركة.

وتُعنى منظمة الألكسو بتطوير وتنسيق الأنشطة المتعلقة بالتربية والثقافة والعلوم في العالم العربي. وقد أعلنت في يوليو الماضي إدراج الصهاريج الطويلة ضمن الدفعة الأولى من المواقع التي تم اعتمادها في سجل التراث العمراني العربي، في خطوة تهدف إلى حفظ هذا الإرث وتوثيقه.

ورغم أهمية هذه الصهاريج، فإن المصادر التاريخية لم تتمكن من تحديد تاريخ بنائها بدقة، إذ لم يعثر الباحثون على نقوش أو دلائل أثرية تشير إلى زمن تشييدها. إلا أن أغلب الدراسات ترجّح أن بناءها مر بمراحل متعددة، بدأت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، خلال عهد مملكة سبأ. ويُشار إلى أن كلمة “صهريج” ذات أصل فارسي، وتعني في اللغة العربية “حوض الماء”.

وتقول هيفاء مكاوي، أستاذة الآثار والحضارة الإسلامية في جامعة عدن، إن هذه الصهاريج تمثل نموذجًا فريدًا في إدارة المياه، حيث كانت تلبي احتياجات سكان المدينة والسفن المارة عبر ميناء عدن، وتُعد من أبرز المعالم الواقعة في قلب المدينة. وتشير التقديرات إلى أن عدد الصهاريج الأصلية بلغ نحو خمسين صهريجًا، إلا أن معظمها طُمر تحت الأرض أو تعرض للخراب، ولم يتبق منها سوى ثمانية عشر صهريجًا فقط، ضمن منظومة “الطويلة”.

وتضيف مكاوي “الصهاريج الطويلة تُعد من أهم المعالم التاريخية في مدينة عدن، وقد أصبحت اليوم جزءًا من مواقع التراث العربي، ونأمل أن تُدرج قريبًا ضمن قائمة التراث العالمي.” وتوضح أن أهمية هذه الصهاريج لا تقتصر على توفير المياه، بل تشمل أيضًا دورًا حيويًا في حماية المدينة من الفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة، حيث تعمل على امتصاص اندفاع السيول وتوجيه المياه إلى حيث الحاجة.



وتستند مكاوي في حديثها إلى تقرير تاريخي للّيفتنانت البريطاني السير روبرت لامبرت بلايفير، الذي أشار إلى أن عدد صهاريج عدن كان يقارب الخمسين، لكن أعمال الحفر والتنظيف كشفت عن بقاء ثمانية عشر فقط ضمن منظومة الطويلة.

وقد ورد ذكر الصهاريج في عدد من المصادر التاريخية، منها كتاب “الطواف حول البحر الإرتيري” في القرن الأول الميلادي، كما أشار إليها الهمداني والمقدسي وابن المجاور وابن بطوطة، الذين وثّقوا وجود حياض وخزانات مياه في عدن. ومع مرور الزمن، تعرضت هذه الصهاريج للإهمال، حتى أعادت سلطات الاحتلال البريطاني ترميمها وكشفت عن الخزانات المدفونة، وأضافت إليها صهريجًا جديدًا عُرف باسم “كجولان”.

وفي كتابه “صهاريج عدن”، يشرح الباحث اليمني عبدالله أحمد محيرز أن منظومة الطويلة لم تكن مجرد خزانات لتخزين المياه، بل كانت نظامًا ديناميكيًا متطورًا، يعتمد على تلقف المياه عبر جدران حاجزة منحوتة في الصخور أو مبنية بالحجارة ومادة “القضاض”، ويؤدي ثلاث وظائف رئيسية: تلقف المياه، وحجز الحجارة والطمي، وتوجيه المياه عبر سلسلة من الجدران إلى أماكن الاستخدام.

وتعمل الصهاريج الطويلة على تنظيم تدفق المياه وحمايتها من التلوث، كما تسهم في تغذية الآبار الجوفية وري الأراضي الزراعية. ويغفل الكثيرون الوظيفة الأساسية لهذه الصهاريج، والمتمثلة في حماية المدينة من السيول، عبر امتصاص قوة اندفاعها وتخزين المياه للاستفادة منها لاحقًا.

وتقع هذه الصهاريج في منطقة جبلية تُعرف بجبل شمسان، الذي كان يُسمى قديمًا “عر عدن”، ويُعد من أبرز المعالم الجغرافية في المدينة. وقد وصفه الهمداني بأنه في نهاية جبل السراة، يحيط به البحر، ويشكل الهضبة التي تنساب منها مياه الأمطار إلى الصهاريج، ما جعل نظام التصريف المائي في عدن ممكنًا بفضل هذا التكوين الطبيعي الفريد.

وقد أثار إدراج الصهاريج الطويلة في سجل التراث العمراني العربي موجة من الفخر والاعتزاز في الأوساط اليمنية، وأعاد الأمل في أن يحظى هذا الموقع باهتمام دولي يليق بقيمته التاريخية.

ويقول أنيس الخراز أحد زوار الصهاريج “لطالما سمعنا عن عظمة الإنسان اليمني، ولكن إن أردنا أن نُدرك هذه العظمة حقًّا، فعلينا أن نزور المعالم الأثرية، فهي تكشف لنا كيف كان أجدادنا، أولئك الذين استطاعوا فتح مشارق الأرض ومغاربها. لم يحققوا ذلك إلا بعظمتهم، ولم يُشيّدوا هذه الصهاريج إلا بعظمتهم”.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى