مقالات

عرب لا يتكلمون العربية


حنان مبروك


العربية لغة وهوية
كانت اللغة العربية في ما مضى سيدة اللغات وقِبلة الأرواح، ألفاظها ساحرة، إذا نُطقت طربت لها الآذان كأنها معزوفة سماوية. لم تكن مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت وعاءً للحضارة ومنارةً للعلم؛ ففي بغداد وقرطبة، كانت العربية هي اللغة التي تُكتب بها معادلات الجبر، وتشرح أسرار الفلك، وتُصاغ بها فنون الفلسفة والطب.

تلك عصور نادرة، شدَّ فيها المستشرقون والعلماء من كل فج رحالهم نحو بلاد العرب، منكبّين على دراستها بشغف، لا ليتعلموا لغةً فحسب، بل ليغترفوا من منبع المعرفة، ليعرفوا ناسها، ليفهموا ثقافتهم وحضاراتهم وعلومهم.

لم يكن ذلك الأمر بعيدا، فحتى منتصف القرن الماضي، كان المستشرقون ينتشرون هنا وهنا، من بلاد الرافدين إلى قرطاج وقاهرة المعز، منهم المستشرق الفرنسي وليم مرسيه (1872-1956)، الذي اكتشف أن “العبارة العربية كالعود إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار وخفقت ثم تحرك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر مَوْكبا من العواطف والصور”.

هي لغة يتكلمها أكثر من 450 مليون نسمة كلغة أم، بالإضافة إلى مئات الملايين من المسلمين الذين يستخدمونها في شعائرهم الدينية. وهي لغة رسمية في أكثر من 25 دولة، وتتمتع بمكانة دولية مرموقة كونها إحدى اللغات الرسمية في الأمم المتحدة، مما يعكس ثقلها الديموغرافي والجغرافي الممتد من المحيط إلى الخليج.

ورغم ذلك، تزامنا مع العيد العالمي للغة العربية في 18 من ديسمبر، نواجه تحديا وجوديا كبيرا يتمثل في ميل الأجيال الجديدة لاستخدام الإنجليزية في تفاصيل حياتهم اليومية. هذا “الاستلاب اللغوي”- إن صح التعبير- ناتج عن الانبهار بالنموذج الغربي وضعف المحتوى العربي الجذاب.

الموضوع أخطر من أن نتعامل معه بأنه حدث عادي، وبأنه علينا تعلم الانجليزية والتحدث بها لأنها لغة العصر، فعندما تسود الإنجليزية وتصبح وسيلة التفكير والتعبير فإن العربية تتحول تدريجيا إلى لغة ثانوية، ثم ما تلبث أن توضع جانبا، فيقبل العربي على القراءة بالانجليزية، وإجراء كل محادثاته اليومية بالإنجليزية ومخاطبة أطفاله بالإنجليزية، حتى ينسى كيف يقرأ كتابه لو كان مسلما، ويفقد القدرة جيلا تلو الآخر على فهم هويته الأم، وهنا أقم عليه مأتما وعويلا، فالمرء إن جرد من لغته، جرد تدريجيا من شعوره بالانتماء لوطنه وعرقه ودينه.

ومعلوم أن اللغة ليست مجرد أداة للتخاطب، بل هي الوعاء الذي يحمل الثقافة والقيم والتاريخ؛ لذا فإن ضياعها لدى الأجيال الجديدة يعني انفصالهم عن جذورهم وفقدان هويتهم تدريجيا، وإذا استمر هذا الاتجاه، فسنرى أجيالا مغتربة في أوطانها، تمتلك ملامح عربية لكنها تحمل عقلا ووجدانا غربيا، تسمع موسيقى غربية، وتلبس ثيابا غربية، وتخوض نقاشات عن العرب بلغة وخلفية غربية، سنراهم مثل المستشرقين الذين كانوا يأتوننا لتعلم لغتنا وثقافتنا، لكنهم هنا أغلبهم لن يذهب للغرب، وتحديدا للولايات المتحدة وبريطانيا، أين نشأت الإنجليزية، بل سيعيشون الحالة وهم في أماكنهم، بين أهلهم، يمشون في شوارع أوطانهم ويتناولون وجبة الفطار الشعبي عند عم سعيد أو محمود.

هويتنا تضيع، ربما هي لا تضيع في بعض الدول العربية، إنما تضيع في أخرى، فيمن تفشت فيها الطبقية وأصبحت الإنجليزية لغة الطبقة “الأفضل” وفي الدول التي تكثر فيها العمالة الأجنبية، لذا علينا استعادة هويتنا، وكي ننجح في ذلك علينا أن نبدأ من جعل العربية لغةً حيةً في المدارس، والبيوت، وسوق العمل. نحتاج أن ننظر للغتنا أنها مسألة حياة أو موت، أن نعيدها لغة حياة، لغة يومنا وحاضرنا وماضينا، ونعمل لتكون لغة المستقبل. أمامنا فرص كبيرة لذلك، والخليج اليوم قبلة الغرب جميعا. تخيل أن تشترط على الغربي أن يتعلم لغتك ويروج لها ويعلمها للغير؟ أي تأثير سيلمس بعد عقود؟؟ أترك لك الإجابة.العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى