كتاب عدن

حرب بديلة



إن استخدام القوة الجوية المفرطة في صحراء ووادي حضرموت لا ينسجم مع منطق حماية أمن المملكة كما تدّعي؛ فذلك المستوى من القصف لا يمكن تبريره.

وحين تُستخدم كثافة الطيران الحربي ضد طرف لا يملك وسائل دفاع جوي، يتحول الفعل من ادعاء لحماية الأمن إلى فرض للإرادة، في صورة تعكس سيكولوجيا الغطرسة واستعراض القوة أكثر مما تعكس ضرورة عسكرية.

في العقل الاستراتيجي، تُقاس القوة بقدرتها على منع الخطر لا باستعراضها. أما الإفراط في القصف داخل مسرح منكشف، فيدل على خلل في احترام أبسط قواعد الاشتباك، وعلى استخدام العنف المفرط كتعويض عن العجز والفشل في جبهات أخرى. كما يعكس هذا السلوك حالةً من الهياج في ردة فعل من يعتقد أنه أكبر من الآخرين ولا يحتمل وجود من لا ينصاع لرغباته، لا إجراءً عسكرياً طبيعياً تحكمه الحسابات الباردة.

وتشير التجارب التاريخية إلى أن الدول، حين تواجه طرفاً يملك تهديداً قادراً على ضرب عمقها، إما تلتزم بردٍّ متناسب أو تلجأ إلى التفاوض، إدراكاً لكلفة الصدام المفتوح. وهذا تحديداً ما تفعله المملكة مع الحوثي، في الوقت الذي تُفرغ فيه فائض قوتها الجوية على من لا يملك القدرة على الرد في عمق أراضيها. وبهذا المعنى، لا يعكس هذا السلوك قوةً واثقة، بل حالة نقص استراتيجي، تُعوِّض فيها انكسارها في مسرح آخر بإثبات هيمنتها الجوية على ساحة مكشوفة. وهي أفعال لا تمحوها الذاكرة التاريخية للشعوب.

لكن الأسوأ من سلوك المملكة المتعجرف، هو تباهي الأطراف التي استُخدمت كقوات غازية، وهي جيوش ذات تاريخ مثقل بالهزائم، ومع ذلك تبتهج بما تفعله الطائرات وكأنها حققت ما يداوي جروحها.

نحن، في المحصلة، أمام سلوك متكامل لطرفين فشلا معاً في مواجهة الحوثي، فذهبا يبحثان عن حربٍ بديلة، وكلاهما يحمل هاجس الخوف ذاته: أن الجنوب ماضٍ، بثبات، نحو تحقيق تطلعاته.

أحمـــــــــــدعبداللاه

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى