كتاب عدن

لا دولة على أنقاض الحقد ..



من لا يُصغِ إلى الرجال العقلاء، سيجد نفسه محاطًا بالجهلة والسُذج . ومن لا يعتبر من هزيمةٍ أو صفعةٍ قوية، فبلا شك سيتعرض لهزائم وصفعات أشد.
ومن لا يتعلم من تجاربه في الحياة، أو يستفيد من دروسها ، فإنه سيدفع الثمن غاليًا في كل مرة يحاول تكرار الخطأ نفسه .
التاريخ أحداثه زاخرة بالمكاسب والخسائر ، وهو مليء بالدروس والعبر . فمن لا يقرأ التاريخ، سيظل يدور في حلقة مفرغة، يكرر أخطاءه الفادحة دون أدنى شعور بمسؤولية أو خجلٍ أخلاقي.
مُؤسفٌ حقًا ما حدث في حضرموت: قرابين أُزهقت، وبنيةٌ تحتية دُمّرت، ونفسياتٌ أُصيبت بعاهات ، وعلاقاتٌ تحطمت تمامًا . وما كان لهذا كله أن يحدث لو أننا قدّمنا لغة العقل ومنطق المصلحة العامة، وحافظنا على كرامة الإنسان الآخر.
لست مؤيدًا لحرب من أي نوع، فكيف بخوض غمار معركة مع شريك حيويّ وفاعل، يُحسب له ألف حساب؟ .
إن السعودية دولة شقيقة، وهي معنيةٌ بأمن اليمن واستقراره .صحيح انها تعاني من بيروقراطية رهيبة ، وصحيح أنها لا تمتلك جرأة الإمارات في الواقع ، لكن ذلك لا يعني نكران ما قدمته لنا من دعم عسكري ومالي واغاثي .
فلولا دعمها – عسكريًا وماليًا وإغاثيًا – لما حصلت المقاومة الجنوبية العدة والعتاد لتحرير محافظات الجنوب من براثن مليشيات الحوثي وصالح ، التي كانت قد وصلت إلى معاشيق واستولت على قصور الرئاسة في عدن وحضرموت، وكنا سنبقى تحت احتلالٍ أشد وطأةً من سابقه.

نصيحتي أن تحفظوا القوة العسكرية المتوافرة لديكم الآن، ولا تفرطوا بها في معارك ثانوية خاسرة. فحفظ تلك القوة وتطويرها يجب أن يكون ضمانةً وحمايةً لمشروع سياسي وطني ، جديرٍ بأبناء الجنوب واليمن جميعًا .
لا أؤيد مطلقًا هذا النزق العبثي، ولا تلك المغامرات التي لا تُعبر إلا عن حالة ارتباك وتطرفٍ لا طائل من ورائه .
فالحوثيون قدّموا أنفسهم كجمهوريين ووحدويين، ونحن نعلم يقينًا أنهم نخبة طائفية وسلالية مسكونة بولاية البطنين ، وتهدف إلى إعادة اليمن إلى عصور ما قبل الجمهورية والوحدة .
بينما فشل رفاقنا في المجلس الإنتقالي في تقديم أنفسهم بديلًا أفضل من الانقلابيين، أو في طرح رؤية وطنية عادلة وشاملة لكل اليمنيين .
عندما سادت الإنانية وضاق أفق الحل كان ولابد من منتهى غير جنوبي وغير وطني ، ولا لوم هنا يوجه لإخوتنا الحضارم إذا ما دعوا لحكم ذاتي أو إقليم أو حتى دولة مستقلة عن الجنوب وعن الشمال .

للأسف، ظلّوا على منوال “سني الحراك الجنوبي” في عهد النظام العسكري القبلي السابق، دون محاولة حقيقية لتطوير رؤيتهم أو تجديد خطابهم .
وزادت المأساة حين وقعوا في فخ “الجنوب العربي” لمجرد مزاج يائس محبط عابر ، متنكرين لليمننة ولتاريخ الكفاح والثورة والاستقلال، ومُسيئين – بلغة مفرطة في التطرف – إلى الهوية اليمنية التي هي مصدر اعتزاز وفخر لنا جميعًا، سواء كنا في دولة واحدة أو في دولتين .
ختامًا .. إن الدروس تتوالى، والعبر تتكشف، ولكن الأهم هو الاستفادة منها. لا يمكن بناء مستقبلٍ على أنقاض الحقد ، ولا يمكن تحقيق الانتصار بسلاح التفرقة والخطاب الضيق .
طريق الخلاص يبدأ بالاعتراف بالجميل، وبالحكمة في إدارة الخلاف ، وبوضع مصلحة الإنسان والوطن فوق كل اعتبار . فإما أن نتعلم من الماضي، وإما أن نكون وقودًا لتكرار مآسيه . والوقت ليس في صالح من يصرّون على تكرار السيناريوهات الخاسرة .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى