كتاب عدن

إخراج الإمارات من اليمن.. قرار متسرّع وجحود سياسي يهدد الجنوب ويعيد الإرهاب من بوابة الشرعية


✍️عقيد / محسن ناجي مسعد (أبود.رمزي)

كان يفترض بالشرعية وقبل أن تتخذ قرارها المتسرّع والمتعلق بمغادرة دولة الإمارات العربية المتحدة اليمن، أن تنظر إلى الوجود الإماراتي من زاويته الصحيحة، أي ضمن إطار التحالف العربي الذي دخلت الإمارات تحت مظلته وبشرعيته، لا كطرف منفرد يمكن الاستغناء عنه أو إخراجه بقرار سياسي معيب خاضع للضغوط والإملاءات الخارجية وبرغبة واضحة من المملكة العربية السعودية.

فالإمارات لم تدخل اليمن منفردة أو بمبادرة أحادية، ولم تكن يوماً عبئاً على مسار المعركة، بل كانت شريكاً رئيسياً في التحالف العربي، وكان بقاؤها أو انسحابها يجب أن يُناقش ويُقرَّر ضمن هذا الإطار الجماعي الذي يتقرر بموجبه بقاء التحالف العربي في اليمن من عدمه، لا عبر قرار منفرد أتصف بالانتقائية ويفتقر إلى الحكمة السياسية ويضرب عرض الحائط بكل ما قدّمته الإمارات من تضحيات جسيمة طوال سنوات الحرب.

لقد لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً محورياً وحاسماً في الجانب العسكري والميداني، وكان لها الفضل – بعد الله – في وقف تمدد مليشيات الحوثي التي لم تكتفِ بالانقلاب على الدولة في صنعاء، بل ذهبت إلى ارتكاب حماقتها الكبرى المتمثلة في غزو الجنوب ومحاولة إخضاعه بقوة السلاح. غير أن حساباتهم سقطت عندما وجدوا الإمارات في مواجهتهم، لتدخل معهم في معركة حقيقية حطّمت أوهامهم، وأسفرت عن تحرير عدن، ولحج، والضالع، وأجزاء واسعة من الجنوب، بدماء امتزجت فيها دماء الشهداء الجنوبيين بدماء أشقائهم الإماراتيين في مشهد أخوي لا يمكن أن يسقط من ذاكرة أبناء الجنوب.

ولم يقتصر الدور الإماراتي على مواجهة الحوثيين فحسب، بل امتد ليشمل المعركة الأخطر: معركة مكافحة الإرهاب. ففي الوقت الذي استثمرت فيه التنظيمات الإرهابية الفراغ الأمني الناتج عن الحرب، وسيطرت على مدن جنوبية ونفذت مئات العمليات الدموية، كانت الإمارات في مقدمة من تصدّى لهذا الخطر ولهذه الجماعات، وشاركت مع القوات الجنوبية في حرب ضروس ضد القاعدة وداعش، وضد الأدوات السياسية والعسكرية لجماعة الإخوان المسلمين التي استخدمت الإرهاب كسلاح لتدمير الجنوب على مدى عقود.

ولولا هذا الدور الإماراتي الحاسم، لكان الجنوب اليوم رهينة بيد التنظيمات المتطرفة، ولما شهدت محافظات مثل عدن، وأبين، وشبوة، وحضرموت حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها اليوم مقارنة بسنوات الفوضى والدم. تلك المحافظات التي كانت في وقتٍ ما معاقل للإرهاب والإخوان، أصبحت اليوم أكثر أمناً بفضل تضحيات مشتركة لا يجوز القفز عليها أو التنكّر لها.

إن ما يحدث اليوم من عودة لجماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة المشهد، مستغلين الصراع المحتدم في حضرموت والمهرة، ليس إلا نتيجة مباشرة لإضعاف الدور الذي كان يشكّل حاجز صدّ أمامهم. فقد استثمرت هذه الجماعة الأزمة لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية، وتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الشرعية، بدعم سعودي واضح، وبتغلغل مقلق في الهيئات العسكرية والأمنية، ما ينذر بإعادة إنتاج الفوضى والإرهاب من جديد.

ليس من شيم اليمنيين، ولا من أخلاق الجنوبيين، أن يُقابَل الوفاء بالجحود، أو أن تُكافَأ التضحيات بقرارات سياسية مرتجلة. فالدور الذي لعبته الإمارات في اليمن، وفي الجنوب على وجه الخصوص، لا يمكن اختزاله أو إنكاره، ولا يجوز التعامل معه بعقلية المصالح الضيقة أو الحسابات الحزبية.

كان الأولى بالشرعية أن توجّه الشكر لدولة الإمارات، وأن تحافظ على شراكة استراتيجية أثبتت فاعليتها، لا أن تطلب منها المغادرة بطريقة مهينة لا تليق بقيم اليمنيين ولا بتاريخ التحالف العربي. فمثل هذه القرارات لا تضر بالإمارات، بقدر ما تفتح الأبواب أمام عودة الإرهاب، وتضع الجنوب أمام تحديات أمنية وسياسية خطيرة سيدفع ثمنها أبناؤه أولاً.

عدن / ٥ يناير / ٢٠٢٦

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى