منوعات

رسائل راديو يوم القيامة الروسي تثير جدلا


موسكو- أثارت محطة إذاعية روسية غامضة معروفة باسم “راديو يوم القيامة” أو UVB-76 جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعد بث رسالة مقتضبة في بداية عام 2026، بالتزامن مع تصاعد التوترات بين موسكو وكييف.

وبحسب مراقبين لهواة الراديو وقنوات متخصصة على تلغرام، بثت المحطة كلمة روسية واحدة هي “غلوتانيه” (glutan’ye)، والتي تعني “الابتلاع” أو “البلع”، بعد نحو 20 دقيقة فقط من دخول العام الجديد في 1 يناير 2026. وجاء هذا البث بعد أيام من إذاعة المحطة مقطوعة “بحيرة البجع” الكلاسيكية للموسيقار تشايكوفسكي، عقب تقارير عن هجوم أوكراني بطائرات مسيرة على مقر إقامة الرئيس فلاديمير بوتين.

وأشعل البث الأخير موجة تفاعل رقمي، حيث انقسمت الآراء بين من يراه تقليلاً من أهميته كاختبار روتيني، ومن يعتبره رسالة نفسية أو رمزية في سياق الصراع الأوكراني.



وارتبطت “بحيرة البجع” تاريخياً بأزمات سوفيتية كبرى، مثل محاولة الانقلاب عام 1991، مما زاد من التكهنات حول دلالات البث الموسيقي الأخير.

ويُعتقد أن المحطة مرتبطة بنظام “اليد الميتة” (Perimeter) النووي السوفيتي السابق، الذي يُشاع أنه يضمن ردًا انتقاميًا تلقائيًا في حال تدمير القيادة، لكن خبراء ينفون ارتباطًا مباشرًا، مشيرين إلى أن الطنين يهدف أساسًا إلى حجز التردد.

ويؤكد جيف هاون، المتخصص في القضايا الأمنية الروسية بمدرسة لندن للاقتصاد قائلا “تنتمي The Buzzer إلى عائلة -محطات الأرقام-“، التي استخدمتها بشكل خاص أجهزة المخابرات السوفياتية والقوى الغربية خلال الحرب الباردة لبعث رسائل مشفرة إلى عملائها المتسللين”.

ويشار إلى أن جميع المحطات الإذاعية تعمل بنفس المبدأ، على غرار إذاعة يو في بي 76 أو لينكولنشاير بوتشرLincolnshire Poacher وهي محطة أرقام بريطانية ذاع صيتها سابقا، أو تشيري رايب Cherry Ripe الإذاعة التي يشتبه في أن تكون محطة لجواسيس أستراليين خلال الحرب الباردة: جميعها تبث إشارة متكررة على فترات منتظمة (“طنين”، مقتطفات أغاني، وغيرها…) ثم، وفي أوقات محددة، تبث رسائل مشفرة.

◄ من المرجح أن تصبح الرسائل التي تبثها إذاعة UVB-76 جزءا من التاريخ الطويل لما قيل أو بث من غرائب بشأن هذه المحطة

وتوقفت محطة لينكولنشاير بوتشر عن البث في 2008، غير أن البقية “تواصل بعضها نشاطها، خاصة في روسيا”، وفق ما يؤكد توني إنغوسن، المتخصص في الشؤون الاستخباراتية بجامعة لوند في السويد وصاحب دراسة عن “محطات الأرقام”. ويضيف ماريس غولدمانيس قائلا إنه يشتبه أيضا في أن تستخدمها دول أخرى مثل كوريا الشمالية وكوبا.

لكن تختلف “محطة الأشباح” عن غيرها بحسب توني إنغوسن، “لأنها تبث دون انقطاع منذ أكثر من أربعين عاما، وهو أمر فريد”. ويضيف جيف هاون قائلا “معظمها يختفي من وقت لآخر، وتتم إعادة تنشيطها عند الحاجة”.

وقد جعلت هذه الميزة بعض الاختصاصيين في “محطات الأرقام” يتساءلون عما إذا كانت السلطات السوفياتية قد نسيت فصل “The Buzzer” عند سقوط الاتحاد السوفياتي، وما إذا كانت موسكو تبقيه قيد التشغيل فقط لبث رسائل من وقت لآخر، من دون أي معنى خفي.

هذه المحطات الإذاعية ليست الأولى من نوعها في تاريخ “محطات الأرقام”. ويوضح جيف هاون قائلا “مع هذا النوع من المحطات الإذاعية، لا يمكن التأكد أبدا من أنها ليست وسيلة إلهاء مدبرة يستغلها العملاء… يمكنهم استخدامها لبث رسائل مشفرة كاذبة على أمل إضاعة وقت أجهزة مخابرات أخرى، التي قد تقوم بتعبئة الموارد “للاستماع إلى التردد”.

ويعد الغموض الذي يحوم حول إذاعة UVB-76 أحد أسباب “نجاحها”. كل الأقاويل والتأويلات ممكنة بخصوص هذه الإذاعة الموجودة منذ الحرب الباردة.

ويخلص ماريس غولدمانيس إلى القول “من الواضح أن هناك موضة إعلامية حول هذه الإذاعة”. ويضيف أحد الخبراء في مجال التضليل الإعلامي عبر الإنترنت، والذي فضل عدم الكشف عن هويته “إنها محطة إذاعية مثيرة للاهتمام، وقد استقطبت عددا كبيرا من مقاطع الفيديو التي تروج لنظريات المؤامرة وقصص مجنونة أخرى على منصة يوتيوب”.

وباستثناء “القصص الخيالية” حول الاتصالات مع “كائنات فضائية”، فإن الفرضيات التي غالبا ما يتم تداولها تتعلق بمخاطر الحرب النووية. لم يُطلق على إذاعة UVB-76 لقب “إذاعة يوم القيامة” عبثا. فقد رُجّح بأن تكون في الواقع نظام ما يعرف بـ”اليد الميتة”. وهو نظام آلي يطلق تلقائيا ضربة نووية إذا انقطعت إشارة الإذاعة.

لكن التفسير الأكثر مصداقية بحسب ماريس غولدمانيس، الذي أمضى أكثر من ثماني سنوات في الاستماع إلى هذه المحطة وتحليلها، هو أن UVB-76 “تُستخدم بشكل أساسي لتدريب عملاء الاستخبارات الإلكترونية الجدد، وأحيانا لإرسال أوامر محددة للجيش.”

وغالبا ما تكون الكلمات المنطوقة بمثابة عمل تطبيقي للتأكد من أن الجواسيس المبتدئين يتدربون على كيفية فك تشفير هذه الرسائل بطريقة صحيحة. ويوضح توني إنغوسن قائلا إن “محطات الأرقام هي أنظمة اتصال أحادية الاتجاه: تبث الإذاعة رسالة لا يمكن فهمها إلا باستخدام نظام فك تشفير ملائم.”


ولكن، حتى ولو كان ماريس غولدمانيس مقتنعا بفرضيته، فإنه يدرك أيضا بأنها مجرد تخمين. لأن الجيش الروسي لم يقر أبدا بإنشاء هذه الإذاعة ولم تعترف السلطات الروسية أصلا بوجودها. بيد أنها ضُبطت متلبسة حينما استخدمت مؤخرا “محطات أرقام”.

ويؤكد جيف هاون بخصوص محطات الأرقام قائلا ” إنه نظام الاتصالات الذي استخدمه العملاء النائمون الذين تم كشفهم في 2010 في الولايات المتحدة”. حتى أن فضيحة التجسس المدوية هذه، ألهمت سلسلة التجسس “الأميركيون”.

إذن، ما الذي يجعل روسيا في عصر الإنترنت والرسائل المشفرة، تواصل استخدام نظام يبدو وكأنه مستوحى من أفلام جيمس بوند الأولى؟ “لأن روسيا لا تزال تعمل أحيانا وفق مفاهيم الحقبة السوفياتية. إذ أنها لا تثق كثيرا في تقنيات الاتصالات الحديثة”، بحسب ماريس غولدمانيس.

إضافة إلى ذلك، فإن “أجهزة الاستخبارات على علم بأن أي شيء له علاقة بالإنترنت يمكن اختراقه، فيما تكاد أن تكون -محطات الأرقام- محصنة بالكامل ولا يمكن تعقب مصدرها”، على حد قول توني إنغوسن.

وإلى ذلك، يشير هذا الخبير أيضا إلى وجود ابتكارات تقنية جديدة “على سبيل المثال، هناك محطات تبث الرسائل بصوت عالٍ وعندما يتم تطبيق وحدة فك تشفير الصوت مباشرة، يظهر نص مختلف تماما.”

من المرجح أن تصبح الرسائل التي تبثها إذاعة UVB-76 جزءا من التاريخ الطويل لما قيل أو بث من غرائب بشأن هذه المحطة. فقد رجح البعض على قناة تلغرام أن إحدى الرسائل قد تكون أمر إطلاق قادم لصاروخ باليستي روسي فرط صوتي من طراز أوريشنيك.

لكن تقدم ماريس غولدمانيس تفسيرا أكثر واقعية وتقول “لقد لاحظت مرارا، زيادة في عدد الرسائل فعليا في نهاية العام. وقد يتزامن ذلك مع تحديث لنظام الإرسال. وبالتالي يجب التأكد من أن الجميع أخذ ذلك بعين الاعتبار.”

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى