مقالات

ضجيج بلا حقيقة: أزمة المصداقية في الإعلام العربي


صلاح الهوني


تغريدة وضعت الإصبع على أزمة الإعلام العربي
كثيرة هي التغريدات التي تمرّ كالومضات في الفضاءات الرقمية، لكن بعضها يحمل في إيجازه زبدَةَ تجربةٍ وخُلاصةَ رؤية. تغريدة الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الأخيرة، التي قال فيها: “مِهَنية الإعلام ضحية كل أزمة في المنطقة؛ الكلمة مسؤولية، ومصداقية الإعلام في توازنه، وكثرة الضجيج لا تُخفي الحقيقة”، تلامس بعمق عصب أزمة مزمنة تتجدد مع كل حدث جَلَل. فهذه الكلمات لا تشخص حالة عابرة، بل تضع الإصبع على مأساة مُعقَّدة يعيشها الإعلام العربي، حيث تتحول المنصات الإخبارية، في لحظات التوتر السياسي والأمني، من أدوات تنوير وتواصل إلى ساحات للتجييش والتشويه والصراع بالوكالة. السؤال المركزي الذي تثيره هذه التغريدة المؤلمة هو: كيف يمكن لهذا الإعلام أن ينتشل نفسه من هذا المستنقع، ليعود إلى جوهر رسالته كأداة للمسؤولية والتوازن والمصداقية، بدلاً من أن يكون مُضخِّماً للضجيج ومُغذِّياً للانقسام؟

لا يُخفى على أحد الدور المحوري الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي، خصوصاً في مناطق تموج بالأزمات كمنطقتنا العربية. ففي لحظات التحول الكبرى والاضطرابات، يزداد الشغف بالمعلومة، ويتحول الجمهور بشكلٍ جارف نحو المنصات الإعلامية بحثاً عن التفسير والتوجيه. لكن المفارقة الأليمة تكمن في أن هذه اللحظات الحرجة، التي تكون فيها الحاجة إلى الإعلام المهني المتزن في ذروتها، هي نفسها اللحظات التي يبدو فيها هذا الإعلام عُرضةً لأكبر قدرٍ من الانحراف والاستقطاب. بدلاً من أن يكون جسراً للحقيقة، يتحول إلى خندقٍ في معركةٍ إيديولوجية أو سياسية. بدلاً من أن يقدم تحليلاً متوازناً، يُختزل إلى بوقٍ لتضخيم رواية واحدة وتشويه كل ما عداها. تُقدَّم الأخبار مجتزأةً ومُلوَّنة، وتُحمَّل التحليلات بأحكامٍ مسبقة، وتُستبدل لغة الحوار بلغة التوصيف والاتهام. النتيجة هي إهدارٌ ممنهجٌ لسمعة أفراد ومؤسسات، كما أشار قرقاش، وتآكلٌ خطيرٌ في رأس المال الأهم لأي إعلام: ثقة الجمهور.

تغريدة قرقاش ليست مجرد تعليق على حال عابر بل هي صيحة تحذير من انزياح خطير. إن الأزمات التي تمر بها منطقتنا بكل تعقيداتها وتحدياتها هي بالضبط الاختبار الأصعب لمِهنية الإعلام

في صلب هذه المعضلة تقف فكرةٌ بسيطةٌ في مظهرها، عميقةٌ في مدلولاتها: “الكلمة مسؤولية”. هذه ليست مجرد شعار أخلاقي، بل هي المبدأ القانوني والمِهني الذي تنهض عليه مهنة الصحافة. الكلمة في الإعلام ليست تعبيراً شخصياً حراً فحسب؛ فهي تحمل قوةً هائلةً في التوصيف والتشكيل. كلمةٌ واحدةٌ غير مسؤولة، عنوانٌ مُضلل، تغطيةٌ مجتزأة، يمكن أن تشعل فتيل فتنة، أو تدمر حياة فرد، أو تقوض استقرار مجتمع. المسؤولية هنا تعني الالتزام بالدقة، والتحقق من المعلومة، وتقديم السياق، وسماع الأطراف، وتمييز الخبر عن الرأي. إنه التوازن الدقيق بين حق الجمهور في المعرفة، وبين واجب الحفاظ على النسيج الاجتماعي واحترام كرامة الأشخاص. الإعلام المهني الحقيقي هو من يتمسك بهذا التوازن الشائك، رغم كل ضغوط الانتماء والتمويل والجمهور. هو الذي يرفض أن يكون أداةً في يد أي جهة، ويصر على أن يكون مرآةً ناقدةً وصادقةً للواقع، حتى لو كانت هذه الحقيقة مريرةً أو غير مريحة لجمهوره التقليدي.

ومع ذلك، فإن ما يطغى على كثيرٍ من مشهدنا الإعلامي في الأزمات ليس البحث عن هذه الحقيقة، بل إنتاج “ضجيج” هائل يُقدم على أنه حوار أو تحليل. كثرة البرامج، وتوالي الضيوف، واشتباك الآراء بصخب، كلها قد تخلق وهماً بالحيوية والحوار الحر. ولكن، كما يقول قرقاش بوضوح، “كثرة الضجيج لا تُخفي الحقيقة”. فغالباً ما يكون هذا الضجيج عبارة عن ترداد للشعارات وتكرار للاتهامات واصطفاف في معسكرات متعارضة، دون أي جهد حقيقي لاختراق سطح الحدث والوصول إلى جوهره. يضيع الجمهور في زحام الأصوات المتعارضة، ويتعذر عليه فرز الغث من السمين، فتتساوى المعلومة الدقيقة مع الإشاعة، والتحليل المتزن مع الخطاب التحريضي. في أزماتنا الأخيرة، رأينا كيف طُمرت الحقائق الأساسية تحت وابل من التعليقات الهستيرية والروايات المتناقضة، مما أفقد الجمهور البوصلة وأعاق أي إمكانية لفهمٍ مشتركٍ للحدث. دور الإعلام المتوازن هو بالضبط أن يكون ذلك الصامد في العاصفة، القادر على فرز هذا الضجيج، والنبش وسط الركام لإخراج الحقيقة، وتقديمها للجمهور بموضوعية ووضوح.

لا يُخفى على أحد الدور المحوري الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي، خصوصاً في مناطق تموج بالأزمات كمنطقتنا العربية

وهذا يقودنا إلى النقطة الأكثر إيلاماً في تحليل قرقاش، وهي انحدار الخطاب الإعلامي من مستوى النقاش المهني إلى مستوى “الفجور”. إن عبارته “إذا لم تسمُو بخطابك فلا تَفْجُر” هي تذكيرٌ قاسٍ بحدود الحرية. فحرية التعبير، وهي حق مقدس، لا تعني الحرية في الإساءة، أو التشهير، أو التحريض. الفجور هنا ليس مجرد ألفاظ نابية، بل هو منهجية في الخطاب تقوم على التجريح الشخصي، وتخوين النوايا، واستبدال الحجة بالصفة، والنقاش بالشتيمة. عندما يتحول الخصم السياسي إلى “عميل” أو “خائن” أو “منحط” على الهواء مباشرة، فإننا لا نختلف في الرأي، بل ندمر أساس إمكانية الاختلاف نفسها. مثل هذا الخطاب لا يهدر سمعة الآخر فحسب، بل يهدر سمعة المهنة برمتها، ويعمق جراح المجتمع، ويغذي دوامة الكراهية والعنف. السمو بالخطاب يعني العودة إلى لغة الحجة والمنطق والاحترام، حتى في أشد حالات الخلاف. يعني تقديم الفكرة ونقدها دون المساس بكرامة قائلها. فقط من خلال هذا السمو يمكن أن يرتقي الإعلام ليصبح أداةً للوعي والتنوير، بدلاً من أن يكون سلاحاً للتدمير والتخوين.

في الختام، فإن تغريدة قرقاش ليست مجرد تعليق على حال عابر، بل هي صيحة تحذير من انزياح خطير. إن الأزمات التي تمر بها منطقتنا، بكل تعقيداتها وتحدياتها، هي بالضبط الاختبار
الأصعب لمِهنية الإعلام. فإما أن يخرج الإعلام من هذه المحن وقد رسخ دوره كحارسٍ للحقيقة وضامن للحوار الوطني، وإما أن يغرق أكثر في دور المحرِّض والمدمر. المراجعة العميقة ضرورية، وتبدأ باعتراف داخلي بأزمة المصداقية، والتزام صارم بمعايير المهنية التي تضع الحقيقة فوق الولاء، والمسؤولية فوق الإثارة، والتوازن فوق الانحياز. السؤال الختامي الذي يواجه كل من يعمل في هذه الصناعة أو يستهلكها هو: هل ستكون الأزمات القادمة فرصةً حقيقيةً لإعادة الاعتبار لإعلامٍ مسؤولٍ وشجاعٍ ومتوازن، يقوم على “الكلمة المسؤولة” ويسمو فوق “الفجور”؟ أم أن الضجيج سيبقى هو اللغة السائدة، ليخفي تحته ليس فقط الحقيقة، بل ومستقبل مهنة كانت في يومٍ ما منارةً للمجتمعات؟ الإجابة ليست في تغريدة، بل في الممارسة اليومية لكل محرر ومراسل ومدير قناة، وفي اختيارات كل مشاهد وقارئ.العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى