كتاب عدن

​دلالة الثوابت الجامعة للجنوب في الحوار

جسار مكاوي

 

​لم يعد استدعاء الماضي أو إعادة تدوير سردياته مدخلا فاعلا لفهم تعقيدات اللحظة السياسية الراهنة ولا أداة منتجة لإدارة مساراتها فالمرحلة الحالية تحكمها معطيات جديدة تفرض خطابا مختلفا يعيد ضبط الإيقاع على أساس الواقع و يؤسس لمقاربة تتعامل مع الحقوق و المصالح بوصفها استحقاقات قابلة للتنظيم و الإدارة لا شعارات قابلة للاستهلاك .. إن التحدي الحقيقي للجنوب اليوم لم يعد في توصيف الأزمة بل في كيفية إدارتها داخل مشهد إقليمي ودولي تتقدم فيه اعتبارات الاستقرار و الأمن العربي دون أن يعني ذلك التفريط في خصوصية الجنوب أو تقويض دوره السياسي.

إن الجنوب مطالب بالانتقال من منطق القضية المفتوحة إلى منطق الموقع السياسي المحدد و من خطاب المطالبة العامة إلى خطاب الترتيب القانوني و المؤسسي المنضبط فالقضايا حين تبقى بلا إطار تتحول إلى ملفات قابلة للتدوير بينما الحقوق و الإدارة حين تُحاط بأسس قانونية و دستورية واضحة تصبح جزءا من معادلة الحل لا عبئا عليها و من هنا تبرز أهمية إعادة تعريف الدور الجنوبي كشريك واعٍ و مسؤول في صناعة الاستقرار و البناء لا كطرف هامشي يدار بالمسارات الفرعية.

و ضبط الإيقاع السياسي يقتضي قراءة دقيقة لموازين القوة و متطلبات المرحلة دون الارتهان لها أو الصدام معها و يقتضي أيضا توحيد الخطاب الجنوبي حول ثوابت جامعة تنطلق من مبادئ حاكمة للحوار الجنوبي الجنوبي تشمل : 1/الاعتراف بالجنوب كمكوّن سياسي مؤثر في صياغة أسس الحكم المحلي والإدارة الحكومية.

2/صياغة أسس دستورية حديثة بمشاركة جميع المكونات الجنوبية تمنحها صلاحيات الإدارة المحلية بما يحقق الاستقرار والتنمية ويحفظ وحدة الدولة. 3/توحيد المكونات الجنوبية في رؤية جامعة تضمن وضوح الطرح وسلامة المعايير القانونية والدستورية .

4/إشراك الشباب و الكفاءات الوطنية في كل مراحل الحوار و صنع القرار لضمان التجديد واستدامة المشروع و الحفاظ على الحوار كأداة تنظيمية لبناء مؤسسات فعالة مستقلة تحكمها القوانين لا الأشخاص.

إن إشراك الشباب ليس مجاملة بل حق أصيل وضمانة حقيقية للاستمرارية فالشباب يمثلون القوة الحية للمستقبل، وهم الجسر الطبيعي بين الخبرة والتجديد بين الذاكرة السياسية وطموحات البناء، وأي مشروع لا يجد
امتداده في هذا الجيل محكوم عليه بالتآكل مهما كانت شعاراته قوية
ويكتسب البعد الدبلوماسي أهمية مضاعفة فصياغة هذه الأسس والمعايير يجب أن تتم بإشراف المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية لما لهما من تجربة رائدة في إدارة الحوارات الوطنية، مع دعم الإقليم والجهود
الأمريكية والأوروبية لضمان نزاهة المسار وفعاليته، مع التأكيد على الشفافية والمساءلة في كل مراحل الحوار لضمان الالتزام بالاتفاقات وعدم العودة إلى ممارسات مركزية أو غير ديمقراطية.

إن ضبط الإيقاع السياسي والقانوني للجنوب لا يعني التخلي عن حقه في الإدارة والحكم المحلي ولا تجاهل الواقع بل الجمع بينهما في معادلة واحدة تحمي المصالح وتراعي الاستقرار وتمنع إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة فحين يضبط الإيقاع يتحول الحق من مطلب مؤجل إلى مسار منظم وتتحول الطاولة من مساحة اختبار إلى منصة تثبيت وهو جوهر الرؤية التي يحتاجها الجنوب اليوم لتعريف موقعه ودوره في مرحلة دقيقة لا تحتمل الارتجال ولا تقبل التكرار .

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى