مقالات

الدكتور شايع الزنداني: سيرة إنسان لا تختصر بمنصب


أ.د.فايد محمد سعيد


ليس من عادتي أن أكتب عن السياسيين،
ولا أن أتوقف عند المناصب أو الألقاب.
غير أن ما أكتبه اليوم لا ينتمي إلى هذا الباب.
فأنا لا أكتب عن موقع،
ولا عن سلطة،
بل عن إنسان عرفته عن قرب،
وصديق تشرفت—ولا أزال—بمعرفته.

ليس كل من نعرفهم تُعرّفهم مناصبهم،
ولا كل من نكتب عنهم نكتبهم من عناوينهم الرسمية.
بعض الأشخاص يُعرفون من جلسة هادئة،
ومن حديث بلا ضجيج،
ومن تواضع لا يحتاج إلى تفسير.

أكتب هذه السطور عن الدكتور شايع الزنداني
لا بوصفه مسؤولًا عامًا،
ولا من زاوية سياسية،
بل كما عرفته شخصيًا على مدى ما يزيد على عقدين من الزمن:
إنسانًا مثقفًا، عميق الرؤية، متسع المعرفة، ورفيع الخلق.

عرفته في مجالس لا تبحث عن الصورة،
ولا تصنع خطابًا،
بل تُنصت للفكرة،
وتحتفي بالمعرفة،
وتحترم اختلاف الرأي دون أن تجرحه.

ما يلفت في شخصية هذا الرجل
ليس كثرة ما يقول،
بل دقة ما يقول.
ليس ارتفاع صوته،
بل عمق منطقه.
حديثه لا يقوم على الاستعراض،
بل على تحليل هادئ،
واستحضار واعٍ للتاريخ،
وفهم مركّب للإنسان قبل الحدث.

كان—ولا يزال—من أولئك النادرين
الذين لا تشعر في صحبتهم بثقل الذات،
ولا بحدود المقام،
ولا بفواصل الألقاب.
يجلس إليك بوصفك إنسانًا،
ويحاورك بوصفك عقلًا،
ويختلف معك دون أن يمسّ كرامتك.

ثقافته ليست تجميع معلومات،
بل بناء رؤية.
ومعرفته ليست حشد أسماء،
بل فهم سياقات.
تراه ينتقل بين الفكر، والتاريخ، والثقافة،
وكأنه يتحرك في بيت يعرف تفاصيله،
لا في قاعة يستعرض فيها محفوظاته.

ولعلّ أجمل ما لمسته فيه عبر السنوات
أن التواضع لديه ليس تصنّعًا،
بل طبيعة.
ليس خفضًا متكلفًا للصوت،
بل راحة داخلية
تُشعرك أن العظمة يمكن أن تكون هادئة،
وأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان.

في زمن تسود فيه القسوة،
كان إنسانيًا.
وفي عالم يتسارع فيه الحكم على الناس،
كان متريثًا.
وفي بيئة يختلط فيها الذكاء بالمكر،
كان واضحًا دون سذاجة،
وحكيمًا دون ادّعاء.

هذا المقال ليس شهادة منصب،
ولا قراءة مرحلة،
ولا اصطفافًا مع موقع،
بل هو شهادة معرفة
لرجل عرفت فيه
أن الثقافة يمكن أن تكون خلقًا،
وأن العمق الفكري يمكن أن يكون رحمة،
وأن الحضور الإنساني
قد يسبق كل تعريف رسمي.

قد يعرفه العالم اليوم من موقعه،
أما أنا فأعرفه من إنسانيته،
ومن مجالس الفكر،
ومن لحظات الحوار الصادق
التي لا تُكتب في السير الذاتية
لكنها تُسجَّل في الذاكرة.

ومن الناس من تصنعهم المواقع،
ومن الناس من يبقون أنفسهم
مهما تغيّرت المواقع.

وهذا الرجل من الصنف الثاني

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى