شؤون محلية

​ماذا يعني تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن؟


​ماذا يعني تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن؟

كتب/سامي الكاف:
​عليه تقديم نموذج مختلف ومغاير عن الحكومات السابقة منحاز للدولة كفكرة وممارسة لا كغنيمة سياسية لهذا الطرف أو ذاك.

أتصور أن تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً إدارياً عادياً أو حلقة أخرى في سلسلة الترتيبات السياسية الموقتة، بل بوصفه لحظة سياسية فاصلة تختبر معنى الدولة وحدود قدرتها على استعادة سيادتها في ظل صراع مفتوح بين منطق الشرعية ومنطق الأمر الواقع.

فهذه الخطوة تأتي في سياق داخلي متشابك ومعقد وإقليمي شديد التعقيد، إذ لم يعد الخلاف يدور حول أسماء أو مناصب، بل حول جوهر السلطة، واحتكار القرار، ووحدة السلاح، وقبل ذلك مسؤولية الدولة الأخلاقية تجاه مواطنيها.

وعليه يصبح السؤال الحقيقي، كما أرى، ليس من يشكّل الحكومة، بل وأيضاً أي دولة يُراد لها أن تقوم، وأي طريق سيسلكه اليمن بين مشروع بناء مؤسسي طويل الأمد، أو إعادة إنتاج الفوضى تحت عناوين سياسية مختلفة، وهو أمر سأحاول تسليط الضوء عليه في هذا النص التحليلي وكيف يمكن الإجابة عن عنوان المقال.

دعوني في البداية أقول إن قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بتعيين عضوين جديدين في المجلس، محمود الصبيحي وسالم الخنبشي، وتكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة، تأتي بوصفها لحظة كاشفة لا يمكن عزلها عن السياق العام للأزمة اليمنية، فهي لا تمثل مجرد تعديل إداري أو إعادة توزيع مواقع، بل إعلاناً سياسياً صريحاً بأن مرحلة الالتباس قد انتهت، وأن الدولة قررت أن تسمي الأشياء بأسمائها.

في الواقع أرى أن هذه القرارات شجاعة تعكس انتقالاً واعياً من منطقة الرماد إلى خط المواجهة الواضح بين منطقين متناقضين: منطق الدولة بوصفها إطاراً قانونياً جامعاً، ومنطق الأمر الواقع الذي يُفرض بقوة السلاح ويطلب لاحقاً شرعنته سياسياً.

بعبارة أخرى أدق: لم يعد النزاع، كما كان يُصوَّر سابقاً، خلافاً على إجراءات أو تفسيرات لاتفاقات، بل صراعاً على جوهر السلطة ومعناها، ودفاعاً عنها بالضرورة.

من هنا، وفق المشار إليه أعلاه، تكتسب فكرة “اللاتراجع” معناها الحقيقي، إذ لا يمكن للدولة أن تستمر وهي تتفاوض مع نقيضها، فالدولة، في تعريفها الفلسفي والسياسي، لا تُدار بنصف سيادة، أو برئيس فوق الرئيس، ولا تحيا داخل مناطق نفوذ متنازعة، ولا تقبل أن تكون قراراتها خاضعة لميزان القوة خارج مؤسساتها.

وإذا كان هذا المسار الجاد يفرض نفسه نظرياً، فإنه يفرض عملياً ضرورة اتخاذ قرارات وتغييرات مؤلمة لكن لا غنى عنها لتحسين مستوى الأداء الحكومي، فالإدارة العامة لا تستقيم في بيئة مضطربة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون تطبيع حقيقي للأوضاع، وعلى رأسها الوضع في عدن، العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية.

فضلاً عن ذلك، تطبيع الأوضاع في عدن لا يعني مجرد عودة شكلية لمؤسسات الدولة، بل استعادة فعلية لوحدة القرارين الأمني والعسكري في المحافظات المحررة، فالدولة التي لا تحتكر أدوات العنف المشروع، وفق المفهوم الكلاسيكي، تصبح كياناً هشاً، عاجزاً عن حماية مواطنيه أو بناء ثقتهم أو حتى استعادة بعضها.

بعبارة أخرى أوضح وأدق: بقاء تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية لا يمثل خللاً إدارياً فحسب، بل خرقاً مباشراً لمعنى إعلان نقل السلطة ذاته الذي بموجبه يمارس رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء مهامهم وإليه يحتكمون.

ويزداد هذا الخلل خطورة حين نتذكر أن عدداً من هذه التشكيلات كان جزءاً من التمرد العسكري، وفق ما تمخض عنه اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة بتاريخ الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، مما يجعل استمرارها خارج المنظومة الرسمية سؤالاً مفتوحاً حول جدية الدولة في فرض سيادتها.

ولذلك، وفي هذا السياق الموضح أعلاه، لا يمكن تجاهل ما حدث في الـ21 والـ22 من ديسمبر الماضي، حين أعلن محافظون ووزراء ونواب وزراء ووكلاء ومديرو عموم ورؤساء مؤسسات تأييدهم الصريح لإجراءات التمرد فضلاً عن رئيس هيئة التشاور والمصالحة وأعضاء فيها، وتعاملوا مع عيدروس الزبيدي بوصفه رئيس دولة لا عضواً في مجلس قيادة رئاسي، في الواقع لم يكن ذلك فعلاً رمزياً أو انفعالاً عابراً، بل إعلاناً سياسياً مكتملاً بكل دلالاته.

“اندبندنت” عربية

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى