الصحفى الـ…
أمينة خيري:
يفترض أن تكون الصفحات الرئيسية فى الصحف والمواقع الإلكترونية عبارة عن الأخبار المهمة، وفى العصر الرقمى والسوشيال ميديا المتاحة للجميع، يأتى شرح ما وراء الأخبار المهمة أحيانا قبل الأخبار، بالإضافة إلى التحديثات المباشرة، وتكامل الوسائط المتعددة حيث مزيج من المقالات والفيديوهات ومعارض الصور والملفات الصوتية مثل البودكاست، وربما مقال رأى مهم.
وعلى الرغم من أن هذه المهنة، مهنة الصحافة بأنواعها، فيها قدر بالغ من الإبداع والمرونة، إلا أن تحول الجانب الأكبر من الأخبار والمتابعات إلى تغطيات لما قال مقدمو التوك شو فى الليلة السابقة، والمعارك التى يخوضها إعلاميون بينهم وبين بعض، أو بينهم وبين نواب أو وزراء أو ساسة، وتحول ما يقوله زملاء صحفيون وإعلاميون إلى «الخبر»، بغض النظر عن أهمية ما قالوه أو أثره فى حياة الملايين، وتحولهم إلى محللى سياسة وخبراء اقتصاد، لا عبر مقالات يكتبونها، ولكن من خلال خبر عاجل، أو تصريح لصحيفة أو موقع، أو حتى تحول الصحفى أو الإعلامى إلى زعيم معارضة يدلى بتصريحات لوسائل الإعلام باعتباره مناضلا لا صحفيا، لا يفقد ثقة الناس فى المهنة فقط، ولكن فى السياسة والاقتصاد والحاضر والمستقبل.
بالطبع جزء أساسى من مهمة الصحفى كشف الأخطاء، ومواجهة المسؤولين، وتحرى الدقة، وقبلها كل ذلك نقل الخبر، والاستعانة بخبراء موثوق بهم لشرح ما يعنيه، وعدم الاكتفاء برأى خبير أو متخصص واحد، لا سيما فى الأمور الجدلية، بل عرض كل وجهات النظر، لكن أن يقوم هو نفسه بكل ما سبق من مهام، فهذا أمر عجيب.
والسبب ليس خطئا فى «تصريح» الصحفى أو المذيع، أو تشكيكا فى قدراته على الشرح، أو مخزونه المعرفى الذى ربما يفوق ما لدى خبراء ومتخصصين، بل وساسة واقتصاديين، ولكن الخطأ يكمن فى الخطوط التى تداخلت والأوضاع التى اختلت والاختصاصات التى تحول جزء كبير منها إلى «سمك لبن تمر هندى».
كم من صحفى انتقل من الصحافة إلى السياسة، لكن أن يستمر فى عمله السياسى، وفى الوقت نفسه يمضى قدما فى مهامه الصحفية التى يفترض فيها عدم التحيز، وعدم التقيد ببرنامج الحزب الحاكم، أو الأحزاب المعارضة، فهذا أمر غير مقبول، لما فى ذلك من تضارب مصالح لا يمكن تجاوزه.
المؤكد أن الصحفى يتمتع بنفس الحقوق وعليه نفس الواجبات شأنه شأن أى مواطن. والمؤكد أيضا أن من حق الصحفى أن يترشح لمنصب عام أو ينضم لحزب أو تيار سياسى أو ما شابه، لكن هل سيظل حاملا أو متبعا لمعايير العمل الصحفى المتمثلة فى الحياد والموضوعية والمصداقية؟.
أعمدة الرأى وما يشبهها استثناء. فمقال الرأى مساحة يسمح فيها للصحفى أو غيره بالتعبير عن وجهة نظر شخصية، أو ينتقد سياسات، أو مسؤولين لأسباب تتعلق بالصالح العام، على أن يرفق بها أدلة وحججا تكسبها مصداقية وتدرأ عنه صفة الشخصنة. أما أن يتحول إلى خبر، فهذا أمر عجيب.المصري اليوم



