مقالات

شائع الزنداني… حين تُكتب الدولة بسيرة رجل



ليست بعض السير الذاتية حكايات أشخاص، بل حكايات أفكارٍ تمشي على الأرض. وسيرة الدكتور شائع محسن الزنداني واحدة من تلك السير التي لا تُقرأ بوصفها مسارًا فرديًا، بل بوصفها انعكاسًا لعلاقةٍ عميقة بين الإنسان والدولة، بين العقل والسلطة، وبين القانون باعتباره ميزانًا أخلاقيًا، والسياسة باعتبارها فنًّا للمسؤولية.
وُلد د. شائع الزنداني في السادس عشر من سبتمبر عام 1954، في قرية السرير مديرية جحاف، حيث للأرض ذاكرة، وللبساطة حكمة، وللناس إحساسٌ فطريٌّ بالعدل. هناك، في تلك الجغرافيا الهادئة من محافظة الضالع، تشكّل وعيه الأول على أن السلطة لا تُستمد من القوة، بل من المشروعية، وأن الدولة قبل أن تكون جهازًا، هي وعدٌ أخلاقيٌّ بين الحاكم والمحكوم.
لم يكن القانون في حياته اختيارًا مهنيًا باردًا، بل مسارًا فكريًا وأخلاقيًا. هناك في كلية الحقوق، تفتّحت ملامح شخصيته العامة، فانخرط في العمل الطلابي، لا بحثًا عن موقع، بل إيمانًا بأن التنظيم ووضوح الفكرة شرطٌ لأي فعلٍ عام. وحين تولّى رئاسة الاتحاد الوطني العام لطلبة اليمن، ثم سكرتارية الاتحاد العام لطلبة العرب، كان يمارس السياسة بوصفها مسؤولية، لا مغالبة.
وعندما انتقل إلى قاعات التدريس في جامعة عدن، ثم إلى آفاق الدبلوماسية الواسعة، ظلّ يحمل السؤال ذاته: كيف تُدار الدولة بعقلٍ قانوني، دون أن تفقد روحها الإنسانية؟ لذلك لم تكن دراساته العليا في فلسفة القانون ترفًا فكريًا، بل محاولة دائمة لفهم السلطة، وضبط علاقتها بالأخلاق، وحماية المجتمع من تعسّفها
في شخصيته، يتجاور الهدوء مع الحزم، والتأمل مع القرار. أكاديميٌّ لا ينعزل عن الواقع، ومسؤولٌ لا يتخفّف من المعرفة. ظلّ النص القانوني لديه مرجعًا، لا سيفًا، وبقيت الأخلاق السياسية معيارًا لا يُساوَم عليه، في زمنٍ تكثر فيه التسويات الرمادية.
امتدت رحلته الدبلوماسية عبر عواصم متعددة، من الرياض إلى لندن، ومن عمّان إلى روما، حاملاً اسم اليمن لا بوصفه شعارًا، بل قضيةً تتطلب الصبر، والدقّة، وحسن الإصغاء للعالم. وفي المنظمات الدولية، كما في البعثات الدبلوماسية، مثّل الدولة بهدوء الواثق، مدركًا أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت، بل بثقل الموقف
وعند مفترق الوحدة اليمنية، كان حاضرًا في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الوطني، مشاركًا في صياغة المعنى السياسي للدولة الواحدة، ومترأسا وفد اليمن في يومٍ لم يكن إعلانًا سياسيًا فحسب، بل كان يراه ميلاد حلمٍ طويل.

وحين عاد إلى وزارة الخارجية في زمنٍ بالغ التعقيد، سعى إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية بوصفها مهنة دولة، لا مساحة اجتهادات شخصية، وإلى أن يكون صوت اليمن مبنيًا على الشرعية والقانون، لا على الانفعال والارتجال.
الميزة الأوضح في شخصية شائع الزنداني هي قدرته النادرة على الجمع بين الصلابة والمرونة؛ صلابة القانون حين يتطلب الأمر، ومرونة السياسة حين تفرض الحكمة مسارًا أقل ضجيجًا.
إدارةٌ ترى في المؤسسة قيمة عليا، وفي النظام ضمانة، وفي التخطيط خلاصًا من الفوضى.
لم يكن تكليفه برئاسة الوزراء في يناير 2026 إلا اعترافًا بمسارٍ طويل من الاتزان، وثقةً في رجلٍ أدرك مبكرًا أن الدولة لا تُدار بالعاطفة، ولا تُبنى بالارتجال، بل تُصان بالعقل، وتُخدم بالصبر، وتُكتب يومًا بعد يوم بسلوك القائمين عليها.
هكذا تبدو سيرة الدكتور شائع محسن الزنداني: سيرة رجلٍ لم يسعَ إلى السلطة، بل سعت إليه حين ضاقت الخيارات، لأنه ظلّ، في كل مواقعه، شاهدًا على فكرة الدولة، وحارسًا هادئًا لمعناها.

د. عادل السريحي
21 يناير 2026



________________________________________

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى