كتاب عدن

ولكم في قسد عبرة!



أنفاق “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في سوريا، والتي حُفِرَت على عُمقٍ يتجاوز الخمسين مترًا تحت الأرض، تحوّلت إلى مدينة عسكرية شبه كاملة، مزوَّدة بكل مقومات الحياة من كهرباء ومياه واتصالات. بيد أنَّ هذه التحصينات الهائلة والمعقدة سقطت في يد الجيش السوري بسرعةٍ مُفاجئة، ودون مقاومة تُذكَر.

ولم تكن طبيعة الأنفاق مجرد ممرات دفاعية، بل شبكة معقدة تتخلل مناطق جغرافية شاسعة، وتصل إلى مناطق حيوية مثل سدود نهر الفرات، وقد رُصِدَت فيها غرف سرية وسجون ومستودعات عسكرية.
وسقوط هذه الأنفاق تزامن مع اتفاق سياسي/ عسكري قضى بدمج عناصر “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، مما يسلط الضوء على تحول في موازين القوى والتعقيدات الجيوسياسية المحيطة . وهذا يعني أنَّ ما أُهْدِرَ من وقت ومال على تشييد هذه التحصينات تبدد في لحظة ، وتقرر مصيره باتفاق سياسي.

فهل هناك مَن يعي دروس التاريخ وعِبره ، ويستفيد منها؟ ها هم القادة يفرون تاركين وراءهم ترسانتهم وأحلامهم تحت الأرض.

وقبل هذه الأنفاق سقطت جيوش صالح والقذافي وبشار ووووالخ ، ومازالت تتساقط جيوشٌ وعروش حتى يومنا هذا نتيجةً لغياب العدالة والتنمية والشفافية والنزاهة، فكل سقوط سببه طغيان الظلم والاضطهاد، وسطوة منطق القوة والهيمنة الفئوية والشللية والقبلية والسلالية والطائفية.

ليس هناك حاكم عادل ومنصف ومحبوب من قِبَل شعبه يلجأ إلى الفرار، أو يُسيج سلطانه بجيش موازٍ من الحرس الرئاسي، أو ببناء الأنفاق لمرور موكبه الجرار، أو بشق الجبال والخنادق من أجل حفظ حكمه وديمومة بقائه.

أيها الساعون إلى السلطة، تذكروا: التحصين الحقيقي لا يُبنى بالخرسانة المسلحة والأنفاق العميقة، بل بالإرادة الشعبيَّة والشرعيَّة الأصيلة. لقد أثبتت الأحداث أن الترسانة العسكرية والمشاريع الضيقة، مهما بلغت قوتها البشرية والتقنية، تتهاوى في لحظات أمام رغبة المجتمع في الخلاص، وأمام إرادة الدولة وسيادتها.

يا هؤلاء، لا مجد أفضل من تنمية الإنسان، وصون حياته وحقه وكرامته . لا تحفروا أماكن لكم في ظلمات الأنفاق والحصون، بل ابنوها في ضمائر الناس .
فسلطتكم تُحَصَّنُ بالعدالة الاجتماعية التي يُحسُّ بها المواطن فوق الأرض، وفي التعليم، والصحة، والاقتصاد، وفي إرساء ثقافة المواطنة المتساوية التي تحمي حقوق جميع المكونات وتصون وحدة الوطن . الاستثمار في الإنسان هو الحصن المنيع الذي لا يسقط، والعدالة هي الأساس الذي لا ينهار .

وختامًا: الديمومة والشرعية لا تتحققان بقوة السلاح ولا بالشعارات والخطب والأناشيد المُلهبة لحماسة الناس البسطاء، وإنما بما يُنجز للمواطن ويُتاح له من حياة كريمة واستقرار وتنمية ورفاهية.
نعم،التاريخ يُعيد نفسه؛ فالمشاريع القائمة على التضليل والفساد والاستقطاب العرقي أو الطائفي أو الجهوي، والمُمولة خارجيًّا، نادرًا ما تصمد طويلًا. أما الديمومة فتأتي من مشروع وطني شامل وعادل يحظى بقبول شعبي واسع، ويُعالج أسباب الأزمات ولا يستغلّها .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى