إدارة الأزمات ليست ترفاً ولا شعاراً..

يوسف راشد الهاجري:
في منطقةٍ لا تهدأ، وتاريخٍ لا يخلو من الصدمات، لم تعد الأزمات في الشرق الأوسط أحداثاً طارئة، بل تحوّلت إلى واقعٍ متكرر يفرض على الدول أن تنتقل من منطق رد الفعل إلى الاستعداد المسبق. ومع تصاعد حدّة التوترات الإقليمية، وارتفاع منسوب القلق من احتمالات المواجهة بين قوى دولية وإقليمية فاعلة، تبرز إدارة الأزمات كأحد أعمدة الأمن الوطني، والاستقرار المؤسسي في الدولة الحديثة. إن إدارة الأزمات ليست ترفاً إدارياً، ولا شعاراً يُرفع وقت الشدائد، بل هي منظومة متكاملة تبدأ بالتخطيط الاستباقي، وتمر بتحليل المخاطر، ولا تنتهي عند احتواء الحدث، بل تمتد إلى ما بعده في مرحلة التقييم واستخلاص الدروس. فالدول التي تنجو من العواصف ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً، بل الأكثر جاهزية ومرونة في اتخاذ القرار. وفي ظل الأوضاع الإقليمية الملتهبة، فإن أي تصعيد محتمل في الإقليم، مهما كان نطاقه، أو أطرافه، قد تترتب عليه تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية تمتد آثارها إلى دول المنطقة كافة، بشكل مباشر، أو غير مباشر. وهنا تتجلى أهمية وجود أجهزة وطنية متخصصة في إدارة الأزمات، تعمل بتنسيق عالٍ بين المؤسسات المعنية، وتستند إلى خطط واضحة وسيناريوهات مدروسة. فالأزمة في عصرنا لم تعد عسكرية فقط؛ فقد تكون اقتصادية عبر اضطراب أسواق الطاقة، وسلاسلال إمداد، أو إعلامية عبر حملات تضليل وبث الشائعات، أو اجتماعية نتيجة القلق العام وتراجع الثقة. ومن دون إدارة واعية لهذه المسارات المتداخلة، قد تتحول الأزمة من تحد خارجي إلى ضغط داخلي يرهق مؤسسات الدولة. كما أن إدارة الأزمات الفاعلة وضوح الرؤية، وسرعة القرار، والقدرة على الموازنة بين المصالح الوطنية والمتغيرات الإقليمية، بعيدًا عن الارتباك، أو التسرع. فالتاريخ يُظهر أن أخطر ما تواجهه الدول وقت الأزمات ليس حجم التهديد، بل سوء تقدير الموقف، أو غياب الجاهزية. ولا يقل الإطار القانوني والمؤسسي أهمية في هذا السياق، إذ إن وجود تشريعات منظمة، وخطط طوارئ معتمدة، وآليات واضحة لاتخاذ القرار، يمنح الدولة القدرة على التحرك بثقة واتزان، ويعززفي الوقت ذاته ثقة المجتمع بمؤسساته. ختاماً، فإن ما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة يفرض على الدول تعزيز مفهوم إدارة الأزمات كأداة وقائية لا كإجراء موقت، تقوم على التخطيط والاستعداد، لا على الارتجال وردود الفعل. فامتلاك الرؤية، وبناء الجاهزية، وتكامل الأدوار المؤسسية، كلها عناصر تصنع الاستقرار في زمن الاضطراب، وتمنح الدولة القدرة على حماية مكتسباتها، وسط المتغيرات المتسارعة. وتصنع الفارق بين من تُفاجئه الأحداث… ومن يصنع قراره وسط العاصفة.السياسة
محام وكاتب كويتي



