كتاب عدن

الجنوب بين جراح الماضي وضرورة التوافق اليوم



يمر الجنوب اليوم بمنعطف تاريخي بالغ الحساسية، يفرض على الجميع – نخبًا وقوى سياسية ومجتمعًا – تغليب صوت العقل والحكمة، والارتقاء فوق الخلافات الضيقة، من أجل التوحد في موقف جنوبي واحد، جامع لا يُقصي أحدًا ولا يحتكر الحقيقة.
ومن منطلق قناعة شخصية، أرى أن جلوس جميع الجنوبيين، بمختلف انتماءاتهم السياسية والمناطقية والاجتماعية، إلى طاولة حوار واحدة بتمثيل عادل وشامل، يُعد إنجازًا بحد ذاته، وربما يفوق في أهميته النتائج التي قد يخرج بها هذا الحوار. فالحوار هنا ليس غاية مرحلية، بل ضرورة تاريخية لإعادة ترميم ما تصدّع في الجسد الجنوبي عبر عقود من الصراع والانقسام.
لقد عانى الجنوب كثيرًا منذ عام 1967 وحتى اليوم، ولم تكن تلك المعاناة وليدة الصدفة، بل نتاج تراكمات من الخلافات السياسية والمناطقية والاجتماعية التي أُديرت بطريقة خاطئة، فتحولت إلى صراعات دامية دفعت الأجيال المتعاقبة ثمنها باهظًا.
وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أن نطرح الأسئلة الصعبة دون مواربة:
هل كان الخلاف بين الجبهة القومية وجبهة التحرير ليصل إلى ما وصل إليه، لو أن القيادات التي شاركت في دحر الاستعمار البريطاني قد اتفقت منذ البداية على مشروع وطني جامع؟
وهل كان اغتيال الشهيدين سالمين وقحطان الشعبي إلا الشرارة الأولى لانزلاق الجنوب في دوامة الدم والصراع الداخلي؟
وهل كانت الوحدة اليمنية لتتم بذلك الشكل الكارثي، لولا أحداث يناير 1986 التي شكّلت ضربة قاصمة لوحدة الصف الجنوبي، ومهّدت الطريق لفرض واقع سياسي هش ومفروض؟
إن هذه الخلافات لم تكن قدرًا محتومًا، بل تأسست على أسس غير سليمة، وقامت على الإقصاء واحتكار القرار، فاستمرت آثارها تتكرر جيلاً بعد جيل، حتى وصل الجنوب إلى حالة من التشظي أفقدته القدرة على الدفاع عن قضيته العادلة بصورة موحدة.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بات من الضروري أن نجلس جميعًا حول طاولة واحدة مستديرة، نقف فيها سواسية، دون سلاح أو استحواذ أو منطق الغلبة. طاولة يكون فيها الحوار بديلاً عن الصراع، والعقل بديلاً عن القوة، والشراكة بديلاً عن الإقصاء.

إن الجنوب لن يُبنى بعقلية الثأر ولا بتكرار أخطاء الماضي، بل بإرادة سياسية صادقة، تعترف بالأخطاء، وتتعلم منها، وتؤمن بأن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يكون إلا نتاج توافق أبنائه جميعًا، لا انتصار طرف على آخر.
فإما أن نختار اليوم طريق الحكمة والتلاقي، أو نترك للأجيال القادمة ميراثًا جديدًا من الألم والانقسام.

د.عادل السريحي

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى