معضلة “اليوم التالي”.. إدارة الصراع بعيدا عن معادلة النصر والهزيمة

بيشوى رمزى
عندما اندلعت الحروب، كانت النتيجة النهائية، سواء طالت المعركة أو قصرت هي انتصار طرف وهزيمة آخر، فالحروب العالمية أسقطت الفاشية في إيطاليا والنارية في ألمانيا، وتدمرت على إثرها اليابان جراء استخدام القنابل الذرية في هيروشيما ونجازاكي، حتى عندما كانت الحرب باردة، انتهت بانهيار طرف وهو الاتحاد السوفييتي، بينما انتصرت الولايات المتحدة لتصبح القوى الوحيدة المهيمنة على العالم.
والواقع أن صيغة النصر مقابل الهزيمة هي العامل المشترك فيما يتعلق بإدارة الصراعات بمختلف أطرافها، وإن كان قد طرأ عليه بعض التغييرات، خاصة خلال العقود الأخيرة، فالانتصار قد يكون غير مكتمل و الهزيمة لا يشترط ان تكون ساحقة، فليس كل انتصار ينتهى بانهيار كامل للطرف الآخر، وهو ما تحدده الكثير من الأبعاد ترتبط في جزء منها بالإرث التاريخي للدولة، وهويتها، او حتى قدرتها على إدارة الهزيمة نفسها، والاهم الإرادة السياسية في العودة مجددا، وكذلك الانتصار قد لا يعني هيمنة كاملة، لان الخسائر قد تأتي في مراحل لاحقة.
وبين إدارة النصر العسكري وإدارة الهزيمة، ثمة العديد من الأبعاد المركزية التي ينبغي الالتفات إليها، أبرزها يدور حول ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلا في عقب المواجهة العسكرية المباشرة أم أنها تحمل تبعات، في صورة معارك لاحقة، ربما يكون تأثيرها أقوى، في ضوء قدرة الطرف المهزوم على النيل من عدوه المنتصر بعد ذلك.
النموذج الأقرب في هذا الإطار، يتجلى في حرب 1967، عندما احتلت إسرائيل سيناء وسيطرت عليها فعليا، وأمنت وجودها بكل الإمكانيات المتاحة، لتصبح نظريا الطرف المنتصر، ولكن التبعات في إطار حرب الاستنزاف في 1969، أعادت مصر مجددا للمعركة، حتى استعادت أرضها في 1973، أولاً ثم الدبلوماسية في 1979، وحتى اللجوء إلى القضاء الدولي لاستعادة طابا في 1989.
والحديث عن النموذج التاريخي في اطار الصراع بين مصر واسرائيل، يحمل أهمية بالغة في إطار إدارة الانتصار الذي تحقق في حرب التحرير، باعتبارها خطوة في طريق طويل لاستعادة الحق المغتصب، وليست مجرد عملية إنتقامية ذات طابع ثأري، وهو الأمر الذي ينبغي الانتباه إليه عند النظر إلى الصراعات الراهنة بكل تعقيداتها، فالنشوة اللحظية المترتبة على الانتصار ليست هدفا، حيث أن الخطوة الأهم تتجلى في إدارة مرحلة ما بعد الانتصار او إدراك تداعيات هزيمة الطرف الآخر، حتى وان كانت النتيجة النهائية هي انهيار نظام ينظر إليه باعتباره خصما لدودا.
فلو نظرنا إلى الحرب الأمريكية في العراق كنموذج حديث للمعارك العسكرية، نجد ان الهدف تحقق باسقاط النظام في بغداد، ومعه أهداف أخرى غير معلنة مرتبطة بثروات البلاد وتوجهاتها، بل وانهيار الجيش، وهو ما يعني نظريا وأد أي محاولة ثأرية، لتصبح بلاد الرافدين مؤهله لمرحلة جديدة، كما كان يتم الترويج لذلك ولكن الواقع لم يكن كذلك، حيث انتشرت الميليشيات، وصارت النعرات الطائفية، وتكبدت الخزانة الأمريكية ملايين الدولارات، وعانت القوات الأمرين في مواجهة حروب شوارع أفقدتها آلاف الأرواح من الجنود.
النماذج سالفة الذكر ليست متطابقة بحكم الظروف والزمن وحتى النظام الدولي نفسه، إلا ان استحضارها في اللحظة الراهنة من الأهمية بمكان لصياغة رؤية دولية جديدة في إدارة الصراعات الدولية، في ضوء تمددها الزمني وامتدادها الجغرافي، مما يثير تساؤلا محوريا حول الهدف الذي تتبناه الأطراف المتصارعة في إطار إدارتها لما تخوضه من معارك، إذا ما وضعنا في الاعتبار حقيقة مفادها أن الانهيار التام للعدو ربما لا يكون مفيدا بالقدر الذي قد يؤدي إلى تداعيات بالغة الضرر للأطراف الأخرى.
وبالنظر إلى التصعيد الأمريكي، ومن وراءه إسرائيل، تجاه إيران نلمس إدراكا إقليميا عميقا للحقيقة سالفة الذكر، إذا ما راجعنا الخلافات الجوهرية بين طهران ودول الجوار، والذين تحولوا رغم ذلك نحو خط دفاع دبلوماسي في مواجهة السقوط في مستنقع جديد من الفوضى، وهو ما يعكس النهج الذي تدير به المنطقة الصراع، بعيدا عن صيغة النصر والهزيمة، عبر استبدالها بالأبعاد المصلحية القائمة على الاستقرار كضرورة ملحة، ومنع استحداث سابقة تنتهك فيه سيادة دولة، قد تستدعي في المستقبل، ناهيك عن قراءة متأنية لما قد تؤول اليه الأمور حال الانهيار الكامل لقوى اقليمية.
والمعضلة هنا تحولت من مجرد حرب لها تداعيات لحظية جراء اندلاعها، نحو “اليوم التالي” من نهايتها، وهو الأمر الذى أدركته مصر في إطار إدارتها لأزمة الحرب في غزة، حيث وضعت، ومعها القوى الإقليمية الأخرى،خطتها لإدارة اليوم التالي لوقف إطلاق النار، عبر رؤية قائمة على إعادة الإعمار وتثبيت الشرعية، وهو ما يعكس ادراكا عميقا لا ينطلق من الطموح في دور البطولة ولكن منحازا لبناء حالة من الاستقرار الإقليمي الشامل، وهو ما ينطبق على الموقف الإقليمي من الحالة الإيرانية في ضوء رؤية تدرك التداعيات الكارثية المترتبة على حرب جديدة
المقارنة بين غزة والحالة الإيرانية تبدو مختلفة، فالأولى كانت الحرب قائمة فعلا والثانية تدور المحاولات على منع الحرب، إلا أن المشترك في الحالتين يقوم في الأساس على منع الانهيار الكامل، ففي غزة دافعت القاهرة عن الفصائل باعتبارها مكون رئيسي من الشعب الفلسطيني رغم الاختلافات، وهو ما ينطبق بصورة كبيرة على الوضع في طهران والتي طالما وضعت نفسها في مقدمة ما يسمى بمحور المقاومة.
وهنا يمكننا القول بأنه في الوقت الذي لم تعد فيه الحروب تحسم بضربة قاضية، ولا تنتهي بانتصار نظيف أو هزيمة كاملة، يصبح السؤال الحقيقي هو كيف تُدار الصراعات لا كيف تكسب، وهو ما يمكن من خلاله قراءة الدور المصري باعتباره خروجا واعيا من معادلة النصر والهزيمة، نحو منطق أكثر تعقيدًا يقوم على منع الانهيار، وضبط مسارات الصراع، وحماية بنية الدولة قبل التفكير في كسر الخصم، فالدولة المصرية لا تسعى إلى تسجيل نقاط رمزية أو ادعاء أدوار بطولية عابرة، بقدر ما تنحاز إلى رؤية ترى الاستقرار قيمة استراتيجية، والسيادة خط أحمر، و”اليوم التالي” معيارا حاكما لأي قرار.اليوم السابع



