كتاب عدن

الجنوب وعباءة الوصاية ..



اسمعوا وعُوا، المسألة ليست عنادًا أو مكابرة، ولا نحن في حلبة مصارعة الثيران الإسبانية. المرحلة حرجة وحساسة، لا تحتمل المزيد من العبث والفوضى .

لهذا، ينبغي أن تعلو فيها الان أصوات العقلاء، وأن تخفت قرعات الطبول، بل وتتوقف . الساحة اليوم لا تستدعي حملة البنادق والقنابل ، ولا خطبًا صاخبة تؤجج الانقسام والتشظي؛ إنما هي موعد مع حملة راية الفكر، والمفاهيم الرصينة، والحوارات الجادة.

الجنوب ملكٌ لكل أبنائه ، ومن يظن أنه الوصي الوحيد على قضيته فهو واهم ، أو باحثٌ عن مجد زائف أو سلطة . لا يوجد جنوبي وطنيته عالية وآخر وطنيته منخفضة ، فكلنا جنوبيون ، من هذه الأرض، وما من بيت أو عائلة إلا وقدمت حبيبًا أو قريبًا .

دعونا نتحاور كشركاء حقيقيين، لا كتابعين أو ملحقين . نناقش بهدوء وروية وحرية، دون قيود أو إقصاء، دون أنانية أو تعالٍ .
سأقولها بصدق ، ومن النهاية ، فحوار الرياض،أو أي حوار جنوبي-جنوبي، يجب أن يكون محوره الأساسي المستقبل . هل الحل هو باستعادة الدولة الجنوبية ، أم صياغة وضع جديد ضمن دولة اتحادية فيدرالية؟

أما النقاشات التي تدور حول جذور القضية الجنوبية، فلا أراها إلا تبديدًا للجهد والوقت . فمؤتمر الحوار الوطني الشامل في صنعاء لم يبقِ شاردة ولا واردة إلا وناقشها، وباستفاضة وحرية لن تتكرر .

المشكلة لم تكن في إهمال لطبيعة الجذور التاريخية، بل في الاختلاف على ماهية النتيجة النهائية .
لدينا فصيل لا يرى حلًا غير استعادة الدولة الجنوبية ، إذ يعدّ البقاء في الوضع الراهن مستحيلًا بعد كل ما جرى .
وفي المقابل، هناك فصيل آخر لم تتح له فرصة التعبير عن ذاته بشكل كافٍ ، لا يرى في السياسة مستحيلًا ، بل يراها ممكنات ، ويتمسك بخيار الإقليم أو الإقليمين، ولا يمانع في قبول الأفكار الأخرى .

وبين هذين المكونين والخيارين ،ثمة فصيل متوجس أو فئة قلقة ، ترى الحل في تجسيد تطلعات مجتمعاتها المحلية بما هو أكبر وأعلى من مجرد إقليم على خارطة المستقبل .
في جميع الأحوال، الجنوبيون معنيون بحوار وطني جاد يحقق لهم أحلامهم وتطلعاتهم في دولة عادلة مستقرة. سواء كانوا مع الانتقالي أو ضده ، يبقى القاسم المشترك هو المستقبل الذي يليق بهم وبالأجيال الحاضرة والقادمة.

وعلى هذه القاعدة يجب طرح كل المسائل للنقاش والحوار ، بصدق وشفافية وثقة. وهذا لن يتحقق إلا في حالة واحدة فقط: ألا يقرر أحد مصير الجنوب دون سواه.

الجنوب ليس وصية أحد ، ولا غنيمة حرب، ولا ورقة تفاوض تُقسم على موائد تركة رجل ميت . الجنوب فكرة تسكن الروح قبل الأرض، ووعد لم يمت رغم الجراح.

لقد آن الأوان أن نتحرر من عباءة الوصاية ، ونخلع عن أرواحنا ثوب اليأس والتبعية . فالقضية ليست ميراثًا محصورًا ، ولا امتيازًا لفئة دون سواها . هي قضية عادلة بأيدي الأحرار ، وغاية سامية أمانة في أعناق الجميع ، فإما أن نصنع المستقبل معًا ، أو نظل أسرى الماضي .

وخيارنا اليوم سيُكتب في سجل التاريخ ، إما حكاية وطن نُعيد بناءه بوعي وعدالة، أو ندفع ثمن الصمت والانقسام لأجيال لم تذنب سوى أنها وُلدت في زمن الرماد .
فلنكن نحن من يكتب الحدث التاريخي كي نضع حدا لإرث مؤلم ، لا من ينتظر غيره ليكتبه أو يمعن في الاستبداد وتبديد الممكنات .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى