جزيرة الشيطان …

جيفري إبستين * : هل كان شيطانًا تجسّد في صورة إنسان؟ أم أنه كان الاثنين معًا—الشيطان والإنسان في آنٍ واحد؟ هذه النوعية من الشخصيات لا تتكرّر في التاريخ إلا مرّة واحدة، إنها كالظاهرة الكونية التي لا تحدث إلا في قرن أو بضعة قرون.
أعتقد أن اكتشاف “جزيرة الشيطان” – جزيرة “ليتل سانت جيمس” في جزر العذراء الأمريكية ، واشتراها إبستين عام 1998 م – لا يقلّ أهمية عن اكتشاف كوكب المشتري أو زحل، لكنني لا أتحدث هنا عن ظاهرة فلكية أو نجمٍ مكتشف، بل عن جرائم يأباها حتى الشيطان.
أتحدث عن شيطان لم يكتفِ بالغواية وانتهاك الفطرة البشرية، بل تجاوز كل الحدود والنواميس الأخلاقية والوضعية والسماوية .
إبستين، “مملكته” كانت منحة من خزائن حكومات ودوائر نفوذ ومخابرات واثرياء فاسدين . فلولا هذا المال الضخم، وهذا الدعم والإسناد الأمني واللوجستي والسياسي ، ولولا شياطين الإنس، ما رأينا “شيطان العصر” يستبيح أمريكا ومن في فلكها، رغم ما تمتلكه من منعة وقوة وسيطرة على خارطة العالم.
شاهدت اعترافات المسؤولة الأولى عن تنابلة القصر ، قالت إن الشيطان كان كريمًا وسخيًا معها ومع رفيقاتها ومع حُرَّاس القلعة، الذين كانوا في الغالب من خدّام الجيش والأمن، وأصحاب مهارات واحترافية عالية. لدرجة أنهم عندما كانوا يسمعون صوت استغاثة من فتاة حديثة العهد، كانوا يرفعون صوت الموسيقى بدقة واحترافية متناهية.
أما أعجب ما قيل في الاعترافات، فهو ما حدث عندما ألقي القبض على الشيطان في المرّة الأولى، وسيطرت قوات الأمن على كامل الجزيرة، ثم حوكم وأدين بحكم قضائي مدته عام وسبعة أشهر.
كان الاعتقاد السائد أن الشيطان قد انكشف أمره وسقطت مملكته، لكنه عاد إليهم بل واستطاع جمع شملهم خلال مدة محكوميته. فلم يمكث نهارًا واحدًا في السجن، واستطاع إما برشوة القائمين عليه أو بتدخل من مراكز نفوذ، فكان يكتفي بقضاء ليلته في الزنزانة.
وعندما عاد، زادت شراهته وطمعه؛ جلب الرجال والنساء والغلمان للمتعة والاستمتاع. ويا له من وحش بشري! كان بضغطة زر يفتح بوابة الموت لتلتهم أسماك القرش إنسانًا سكيرًا، أو شخصًا، أو فتى قرر الشيطان التخلّص منه—فقط من أجل التسلية وإمتاع نفسه وضيوفه.
طائرات وسفن ويخوت كانت تجوب البحر والسماء تلبية لحاجته وفي سبيل إمتاع ذاته وزبائنه . فتيات قاصرات، وملكات جمال، ووجوه شهيرة من ذوي النفوذ والمال والفن والإعلام والسياسة؛ رؤساء دول وحكومات، ملوك وأمراء، أثرياء ووزراء وسفراء . زبائنه من العيار الثقيل—ممن يصنعون القرار أو يؤثرون في البورصة أو المحتوى التقني والإعلامي .
لا شيء يأتي صدفة؛ كل شيء كان مُعدًّا له بعناية: كاميرات مراقبة وتصوير بأدق جودة، غرف وأجنحة في غاية الفخامة، ورفاهية لا نظير لها حتى في فنادق السبع أو العشر نجوم.
ومما قيل وأُشيع أن أسلوب التصوير لغرض الابتزاز—الموجَّه للقادة والرؤساء والأثرياء—هو أسلوب ابتدعته المخابرات الروسية والإسرائيلية. وزارة العدل الأمريكية أفرجت عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، مع احتفاظها بما قالت إن له صلة بالأمن القومي الأمريكي.
الخلاصة ليست بالسؤال : هل مات إبستين أم لم يمت؟ مات منتحرًا أم بفعل جنائي؟ فكل هذا لا يهم الآن. المهم بالنسبة لنا كعرب ومسلمين وبشر هو التنبه والحذر مما هو قادم .
فأمريكا التي سادت قرنًا من الزمن كحارسة وحامية للمسيحية الصهيونية، تتساقط أخلاقيًّا ولاهوتيًّا ونظاميًّا وقيميًّا ودوليًّا ، لقد انكشف المستور ، وأضحت حقيقة امريكا الصهيونية عارية أمام الشعب الأمريكي وأمام شعوب العالم قاطبة .
إبستين كان بمثابة حجر الدومينو ، وحتمًا ستتبعه سلسلة حجرات ظلّت متماسكة طويلًا، لكنها اليوم آيلة للسقوط، شاء الصهاينة المستحوذون على أمريكا ودول العالم القوية—أم أبوا—وسواء شاءت أمريكا في عهد المجنون ترامب أم رفضت .
* ممول أمريكي وأدين بجرائم جنسية، وتوفي في سجنه عام 2019 وسط ظروف غامضة .
محمد علي محسن



