“الريفييرا” لا تُبنى فوق حرب إقليمية

علا الشربجي:
غزّة في الحساب الأميركي ليست مأساة إنسانية
لم يكن غياب الضربة الأميركية لإيران تراجعًا، ولا ارتباكًا في القرار، بل تعبيرًا دقيقًا عن ترتيب أولويات صارم تحكمه غزّة بوصفها مركز الثقل السياسي للمرحلة. فعندما تصبح بقعة جغرافية محاصَرة عقدة العالم، تُجمَّد الحروب الكبرى مؤقتًا، لا بدافع الرحمة، بل بدافع الإدارة.
الولايات المتحدة لم تحشد عسكريًا حول إيران لأنها تنوي ضربها فورًا، بل لأنها أرادت تثبيتها داخل الهامش. فالحرب مع إيران تعني تلقائيًا فتح كل الجبهات المتصلة بغزّة، وتحويل ملف قابل للضبط إلى انفجار إقليمي واسع، وهو ما لا يخدم مشروع التسوية القسرية الذي يسعى إليه ترامب في هذه اللحظة.
هنا تظهر أفكار ترامب لا كهلوسة سياسية، بل كمنطق صفقة. ما يُسمّى بـ”ريفييرا غزّة” ليس مشروعًا عمرانيًا، بل تصور سياسي: نزع الصراع من معناه، تفريغ الأرض من مضمونها المقاوم، وتحويل الجرح إلى واجهة استثمار.
هذا النوع من المشاريع لا يُولد في زمن الصواريخ المتقاطعة والجدالات الساخنة بل في لحظات هدوء مفروض بالقوة، تُضبط فيها الأطراف ولا تُستفز.
غزّة، في الحساب الأميركي، ليست مأساة إنسانية بقدر ما هي عقدة سياسية يجب تفكيكها بأقل كلفة إستراتيجية. وأي مواجهة مباشرة مع “شرطي الخليج سابقا” أو كما كنت أسميها “بعبع الخليج” ستُعيد تعريف الصراع من نزاع محلي قابل للإدارة إلى مواجهة محاور، تُسقط السردية الأميركية، وتحرج الحلفاء، وتُفقد واشنطن القدرة على التحكم بالإيقاع.
القراءة السطحية للمشهد ترى في الحشود نية حرب مؤجلة بينما القراءة الأعمق تفهم أن واشنطن وصلت إلى لحظة تقول فيها بوضوح: نستطيع الضرب لكننا لا نملك ترف نتائج الضربة الآن
ضرب إيران في هذا التوقيت كان سيمنح طهران ما تسعى إليه منذ سنوات: شرعية المواجهة، وحق الرد الواسع، وتحويل غزّة من عبء تفاوضي إلى راية مقاومة إقليمية جامعة. لذلك جاء القرار الأميركي محسوبًا: إيران تُحاصَر، تُراقَب، تُضغَط… لكن لا تُضرَب الآن.
في زاوية أخرى.. نراقب الخطاب التصاعدي الضاغط لإسرائيل الذي يأخذك إلى مشهد الحرب العالمية الثالثة، إلا أنها في حقيقة الأمر هي لا ترغب في حرب مفتوحة مع إيران بينما غزّة ما زالت ساحة اشتباك ساخنة.
تعدد الجبهات لا يخدم مشروع الحسم، بل يستنزفه، ويُدخل القرار العسكري في دوّامة غير محسوبة. من هنا نشأ تفاهم غير معلن: سقف النار في غزّة مرتفع، لكنه محكوم، ولا يُسمح له بأن يتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
الحشد العسكري الأميركي إذًا لم يكن سيفًا، بل سياجًا. سياج يمنع إيران من القفز الكامل إلى المشهد، ويمنع الحلفاء من الانجرار، ويُبقي المسرح محصورًا في بقعة واحدة يمكن التحكم بها سياسيًا وإعلاميًا.
القراءة السطحية للمشهد ترى في الحشود نية حرب مؤجلة، بينما القراءة الأعمق تفهم أن واشنطن وصلت إلى لحظة تقول فيها بوضوح: نستطيع الضرب، لكننا لا نملك ترف نتائج الضربة الآن.
إذًا، لم تُضرب إيران لأن ضربها يُسقط الهدف الأكبر. نعم، هناك رغبة أميركية في ضبط إيران لكن ليس لدرجة تدميرها في الوقت الراهن.
لا صفقة بلا هدوء، ولا مشروع سياسيا يُسوَّق فوق إقليم مشتعل، ولا “ريفييرا” تُبنى على أنقاض حرب شاملة. الضربة لم تُلغَ، لكنها لم تعد أولوية. وُضعت في الأدراج، لا نسيانًا، بل انتظارًا للحظة يصبح فيها الثمن أقل، والعائد أعلى.
في واشنطن، الحروب لا تُدار بالغضب، بل بالتوقيت. وغزّة اليوم ليست ساحة حرب فقط، بل ورقة تفاوض… وحين تنتهي وظيفتها، يُعاد فتح الأدراج.العرب



