اقتصاد الخير: حين تتحوّل الصدقة إلى قوة مالية منظّمة

نوفر رمول
تُقدّر دراسة مشتركة بين البنك الدولي ومعهد البحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية حجم أموال الزكاة عالميًا بما يتراوح بين 550 و600 مليار دولار سنويًا. رقم يعادل تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل النرويج، ويضع الزكاة، إذا قورنت باقتصادات الدول، ضمن أكبر ثلاثين اقتصادًا في العالم. ما يمرّ عبر مؤسسات رسمية يتراوح بين 10 و15 مليار دولار فقط. أكثر من 97 في المئة من هذه الكتلة المالية تتحرّك سنويًا خارج أطر مؤسسية تتيح تتبّع التدفقات أو إدماجها في التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل.
هذه الفجوة تكشف خللًا في البنية، لا في حجم الموارد. سيولة بمئات المليارات تُضخّ في المجتمعات كل عام دون أن تتحوّل إلى أصول استثمارية أو أدوات تمويل مستدامة أو مشاريع إنتاجية طويلة المدى. توجيه نسبة محدودة من هذه التدفقات إلى صناديق وقفية مدرّة للدخل، أو صكوك تنموية، أو برامج تمويل أصغر منظّمة، كفيل بنقل العطاء من حركة موسمية متفرقة إلى بنية مالية قابلة للتراكم وإعادة التدوير. هنا تتغيّر معادلة الأثر: من تحويل مباشر قصير الأجل إلى تدفق مستدام يعيد إنتاج نفسه عامًا بعد عام.
رمضان يكشف حجم الطاقة المالية الكامنة في المجتمعات، ومأسسة هذه الطاقة تضع “اقتصاد الخير” في موقع دائم داخل البنية الاقتصادية، وتمنحه قدرة على التوسع عبر الزمن بعيدًا عن تقلبات المواسم
بعض التجارب الدولية التقطت هذه الإمكانية مبكرًا. في عام 2017 أطلقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين صندوق الزكاة للاجئين، ضمن إطار رقابة شرعية ومحاسبية واضحة يضمن توجيه كامل المبالغ إلى المستفيدين. ومنذ إطلاقه، استفاد منه أكثر من 9 ملايين لاجئ ونازح في 33 دولة، وجمع في النصف الأول من 2025 نحو 23.2 مليون دولار، متجاوزًا إجمالي مساهمات العام السابق، فأعاد إدخال الزكاة ضمن هيكل تمويلي أممي تعريفها كأداة يمكن دمجها في منظومة تمويل دولية دون فقدان طبيعتها الشرعية.
في إندونيسيا، أقام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي شراكة مع هيئة الزكاة الوطنية “بازناس” لتمويل محطات كهرومائية صغيرة وفّرت الكهرباء لقرى نائية، ما دعم الأنشطة الزراعية والحرفية المحلية ووسّع القاعدة الإنتاجية، مقدّمًا مثالًا واضحًا على توظيف الزكاة في تمويل أصول بنية تحتية ذات عائد اقتصادي مستمر.
وفي عام 2022، أطلقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين بقيمة مستهدفة تبلغ 500 مليون دولار، تُستثمر أصوله وفق مبادئ الشريعة وتُوجّه عوائده لبرامج التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي.
إلى جانب المنظومة الأممية، طورت دول بعينها أطرها الخاصة لإدارة هذه الموارد. تُعد ماليزيا من أكثر التجارب نضجًا في مأسسة الزكاة، حيث تُجمع وتُدار عبر مجالس رسمية في كل ولاية مع منح خصم ضريبي مكافئ للمبلغ المدفوع، ما أدخل الزكاة في صلب السياسة المالية ورفع معدلات التحصيل إلى نحو 570 مليون دولار سنويًا. جزء من هذه الموارد يُوجَّه إلى برامج تمكين إنتاجي، بما ينقلها من تحويل نقدي مباشر إلى أداة دعم للنشاط الاقتصادي.
ماليزيا تُعد من أكثر التجارب نضجًا في مأسسة الزكاة، حيث تُجمع وتُدار عبر مجالس رسمية في كل ولاية مع منح خصم ضريبي مكافئ للمبلغ المدفوع، ما أدخل الزكاة في صلب السياسة المالية
في الإمارات، يتجلّى هذا التحوّل ضمن سلسلة مبادرات إنسانية واسعة شملت “وقف الحياة”، “سقيا الإمارات”، و”وقف الأب” الذي جمع أكثر من مليار دولار لإنشاء صندوق وقفي للرعاية الصحية، إلى جانب مبادرات تعليمية وصحية متعددة، ما عكس انتقال العمل الخيري من حملات ظرفية إلى بنى تمويلية دائمة.
التطوير أخذ شكلًا أوضح في دبي عبر مبادرات الطعام التي بدأت خلال جائحة كورونا، ثم توسّعت من 10 ملايين وجبة إلى 100 مليون وصولًا إلى مليار وجبة. النقلة النوعية جاءت مع تأسيس “صندوق وقف المليار وجبة” في رمضان 2023، وهو صندوق وقفي مخصّص لدعم الأمن الغذائي عبر إنشاء أصول مدرّة للدخل تُستخدم عوائدها لتمويل برامج الإطعام بصورة مستمرة، ما حوّل المبادرة من توزيع مباشر إلى منظومة استثمارية تموّل نفسها وتعمل وفق أفق زمني طويل.
هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها، تلتقي عند نقطة واحدة: إدخال العطاء في بنية مؤسسية قابلة للقياس. الحوكمة الأممية، والتحفيز الضريبي في ماليزيا، والصناديق الوقفية الاستثمارية في الإمارات، كلها آليات تنقل المال من حركة توزيع متفرقة إلى نظام مالي منظّم. وجود هياكل واضحة يرفع مستوى الثقة، ويوسع قاعدة المساهمين، ويحوّل التدفقات الفردية إلى موارد يمكن التخطيط لها وإدراجها ضمن أطر مالية مستقرة.
الفارق بين إمكانات تُقدّر بما بين 550 و600 مليار دولار سنويًا من الزكاة، وبين نحو 15 مليارًا فقط تمر عبر قنوات مؤسسية، يعكس مساحة تمويلية واسعة لم تُفعّل بعد. توسيع الإدارة المنظمة لهذه الموارد يضيف إلى الاقتصادات الإسلامية طبقة تمويل داخلية قادرة على تعزيز الاستقرار وبناء احتياطات اجتماعية مستدامة.
يكشف رمضان حجم الطاقة المالية الكامنة في المجتمعات، ومأسسة هذه الطاقة تضع “اقتصاد الخير” في موقع دائم داخل البنية الاقتصادية، وتمنحه قدرة على التوسع عبر الزمن بعيدًا عن تقلبات المواسم.العرب
إعلامية تونسية



