كتاب عدن

نداء العقل .. حين يصبح الحوار وطنًا



في زحام الضجيج الإعلامي، وفي خضم التجاذبات التي تلبس ثوب الوطنية تارة، وتارة تتدثر بالغيرة على الجنوب، نرى بأم أعيننا كيف تتحول الكلمة من رسالة سلام إلى سهم مسموم، وكيف يصبح الإعلام منبرا للفتنة بدل أن يكون جسرا للتفاهم.
أيها الإخوة العقلا في الجنوب، أيها الإعلاميين الذين تحملون أقلام ك سيوف، وأيها القيادات التي تتصدر المشهد بخطابات التحدي.. أليس في عقولنا افكار ورؤى تستطيع من خلالها لملمة هذا الشتات؟
إن ما يحدث اليوم من خطاب عدائي تجاه إخواننا من القيادات الجنوبية في الرياض ممن أرسلتها القيادة، أو تجاه من تشرفت بهم الوزارة من أبناء الجنوب، أو حتى تجاه إخواننا السعوديين الذين يجمعنا بهم نسب ودين ومصير مشترك.. إن هذا الخطاب ومحاولة شيطنة الجميع ليس من الوطنية في شيء. وما يمارسه البعض من ترهيب وتخويف من قواتنا الجنوبية في العمالقة أو درع الوطن، إنما هو طعن في خاصرة النسيج الوطني الذي ضحى من أجله الآلاف.
ألم نتعلم أن الجنوب لا يفتتح بمدافع العداء ولا ب خطابات الكراهية؟ أن الجنوب الذي ننشده جميعًا لا يبنى على أنقاض العلاقات ولا على أشلاء المحبة بين الأشقاء.
لقد جربنا لسنوات طويلة لغة التحدي و الإقصاء، فماذا كسبنا؟ خسرنا الكثير، وعدنا إلى ما قبل الصفر، بل إلى أبعد منه. دفع الشعب الثمن غاليا، ودفن شبابه في معارك جانبية بينما العدو الحقيقي يفرك يديه فرحا.
لماذا لا نجرب الحوار؟ لماذا نخاف من الجلوس على طاولة واحدة؟ لماذا نترك الزمن للمتشائمين الذين يقرؤون المستقبل بعيون الماضي؟
ألم يكن بالأمس القريب قياداتنا الجنوبية تشارك في الرئاسة والحكومة وفي كل مفاصل الدولة، وكانت قيادات شمالية تحكم من عدن، وكنا نتشارك معهم مائدة مستديرة واحدة ، وكنا جميعًا نعيش تحت سقف وبيت واحد؟ لماذا تغير السلوك اليوم؟ هل تغيرت الدماء؟ أم تغيرت النفوس؟ وإذا ما تمت تسوية الخلافات القائمة وعدنا يومًا حكاما نتقاسم الكرسي ، هل نقبل بهم من جديد؟ أم سنستمر في دوامة القطيعة؟
إن المغامرات غير المحسوبة النتائج، والتي تُخاض باسم الوطنية الزائدة ، نهايتها دائمًا موجعة. وقد خسرنا بما يكفي، و كفانا وكفى الشعب ما حملناه من ويلات الخلافات.
أرى أن قيادتنا الموجودة في الداخل اليوم، بحاجة ماسة إلى وقفة جادة عند حدود المشكلة ، وذلك بدعوة جامعة لكل أطياف المجتمع الجنوبي قاطبة: رجال السياسة والإعلام، الأكاديميين والمشايخ، رجال القانون والأعمال، منظمات المجتمع المدني، وممثلات عن النساء. لقاء عقلاني يضع النقاط على الحروف، يشخص جذور الداء، ويبحث عن الدواء.
لقاء لا تسبقه أحكام مسبقة، ولا يحاصره تشكيك البعض بنواياه السلبية. لقاء يدرك فيه الجميع أن الجنوب ليس مزرعة لأحد، وأن الوطن يتسع للجميع، وأن لا وصاية على أحد.
المطلوب اليوم تصور كامل للمشكلة، تشخيص دقيق لجذورها التاريخية والاجتماعية والسياسية، ثم الخروج بحلول عملية وتصورات واضحة للخروج من دوامة الخلاف والعنف. لا يمكن فرض واقع جديد بالقوة، ولا يمكن تحميل الشعب ثمن فشلنا في إدارة خلافاتنا.
لنكن عقلاء، لنكن إيجابيين مع دعوات الحوار، فلربما كان في تلك الطاولة ما ينقذنا جميعًا مما نحن فيه. فالحوار ليس ضعفا، بل هو أقصر طريق نحو وطن يتسع الجميع..

د.عادل السريحي
٢٢/فبراير ٢٠٢٦

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى