كتاب عدن

أولويات وعقلية دولة… لا عقلية حشد



الشارع في المحافظات الجنوبية ليس سلعةً سياسيةً تُرفع هنا أو تُخفض هناك، بل هو وعاءٌ لمشروع وطنيٍّ أصيل، وروحُ قضية لا تُشترى ولا تُباع في سوق المساومات أو المحاصصات في الوزارات والمناصب .
حين يتحول الحضور الشعبي إلى “وسيلة ضغط” تُستعمل في اللحظات الحرجة، فإنه يُفرغ من مضمونه الوطني، ويصير أداةً آنيةً تخدم أجندات ضيقة. فالمشروع الوطني الحقيقي لا يُبنى على حشود مؤقتة، بل على وعي مستدام ورؤية بعيدة المدى تتجاوز حسابات اللحظة.

معاناة الناس ليست مادةً للخطابة، وما يمر به المواطنون في المحافظات الجنوبية من تردٍّ معيشي وخدمي يجعل الحديث عن تظاهرات وتعبئة دائمة ضربًا من العبث، وانفصالًا صارخًا عن الواقع .
الناس تبحث عن خبز، وكهرباء، ومستشفيات، ورَاتِب منتظم، وسلع معروضة بأسعار معقولة، لا عن شعارات تذكرهم بجراحهم دون تقديم علاج .
إن استثمار المعاناة لتحريك الشارع هو قتل متجدد لقضية وطنية عادلة ، تحت ستار الدفاع عنها، وتحويل للوجع الإنساني إلى وقود لصراعات لا تنتج إلا مزيدًا من الخراب.

الحكمة تكمن في ترشيد الزخم الشعبي، فورقة الشارع قد تكون مشروعةً كتعبير عن رفض أو مطالبة، لكنها تفقد شرعيتها حين تتحول إلى بديل عن بناء مؤسسات قادرة على حل المشكلات، وأداةً لتعطيل الحلول بدل الدفع نحوها، وغطاءً لفشل الأداء السياسي والتنظيمي. فليس أسهل على النخب من الاختباء خلف حنق الجماهير، وليس أصعب عليها من مواجهة المسؤولية بصنع القرار .

الأولويات اليوم تحتاج إلى بناء قدرات مؤسسية تخدم الناس بدل استنزافهم، وتؤسس لدولة تحمي مواطنها لا دولة تنتظره ليكون وقودًا لأزماتها ، وتوحيد الجهود مع الحكومة والتحالف لتحقيق الاستقرار، وليس تعطيل المسارات أو ابتزازها تحت أي ذريعة ، وبإطلاق مشروعات تنموية وخدمية، وتحقيق تعافٍ اقتصادي يلمسه المواطن ويشعر بثماره في حياته اليومية .

نعم ، الشارع في المحافظات الجنوبية ليس ترسًا في ماكينة سياسية، بل هو روح القضية، فإن انطفأت انتهى كل شيء. فحماية الشارع تعني حماية المشروع الوطني، وهي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية، وتتطلب من القيادات أن ترى في الناس غايةً لا وسيلة، وأمانةً لا ورقة ضغط.

فحصر القضية في أسماء وصور وشعارات، أو في مسائل شخصية ضيقة، من شأنه إفراغها من مضامينها الوطنية. ودون غاية وطنية جامعة عادلة ومنصفة، سينحسر وجودها في الساحات، وسيتلاشى بريق حضورها في أذهان وأفعال حاملي راياتها بمضي الوقت، لتحل محلهم هموم لقمة العيش ومرارة الانتظار .

الحكمة اليوم ليست في حشد الناس، بل في ترشيد هذا الحشد ليخدم أهدافًا واضحة، لا أن يكون مجرد دليل على عجز النخب عن تقديم حلول . فالقضية التي ترهن مستقبلها بتحشيد الشارع فقط، قد يدهسها الشارع نفسه حين يمل من الوعود ويبحث عن لقمة العيش، وتلك هي المفارقة المأساوية .

الجنوب يستحق نخبةً تفكر بعقلية الدولة لا بعقلية الحشد، وتخطط لأجيال قادمة لا لمواقف عابرة. فإما شارع يعبر عن إرادة واعية تصنع مستقبلًا، وإما شارع يتحول إلى عبء على من يقدم نفسه حامل الراية وحامي حمى القضية.

ختامًا .. إن الشعوب الواعية هي من تصنع الفارق بين زحف مؤقت يخبو بانتهاء الخطبة ، ونهضة وطنية تبقى عبر الأجيال . فصوت الجنوب ينبغي أن يكون صوتًا لدولة مؤسسات ، لا صدى حشود، وأن تتحقق تطلعات أبنائه ببناء لا يهدم ، وبعقلانية لا تفرط في الغاية العادلة، وبصبر لا يتحول إلى يأس قاتل لكل شيء .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى