كتاب عدن

غبار المواكب..وحقيقة الأثر



في زحام الضوء، حيث تتصادم الأصوات وتعلو الهتافات، وحيث تمتد المواكب كأنها قطارات لا تنتهي، هناك في العمق حيث تسكن الحقيقة، يبدأ السؤال الاشد وطأة : أيّ غبار هذا الذي يملأ الأرض و يلوث السماء ؟ وأي أثر سيبقى بعد أن تهدأ الزفة ويعود المشهد إلى صمته القديم؟
ليس في الاحتفاء عيب، ولا في التكريم حرج، لكن العيب بل كل العيب أن يتحول المشهد إلى غاية، وأن تصير الهالة هي المعيار، وأن تعلو الأصوات فتمحو الأسئلة، وتخفت الحقائق تحت وقع التصفيق.. حينها لا يكون الموكب تعبيراً عن إنجاز، بل يصبح الإنجاز هو الموكب ذاته، وتتحول الرموز إلى أصنام، وتضيع الحقيقة بين غبار الأقدام ووهج الكاميرات.
في المجتمعات الراسخة، حيث للمؤسسات قداستها وللعمل قيمته، لا يقاس المسؤول بعدد الاستقبالات، ولا بطول المواكب، ولا بارتفاع الأصوات المادحة. هناك، في تلك المجتمعات التي تفصل بين المشهد والمضمون، يأتي يوم الرحيل عن المنصب فيتحول إلى يوم حساب دقيق: ماذا أضاف هذا الرجل؟ ماذا غيّر؟ أين بصمته في واقع الناس؟ وأين كان تقصيره؟ ليس المهم كم صفقوا له يوم ودعوه، بل كم وفى مما وعد به يوم تولّي الأمر .
التصفيق هناك لا يبني مستشفى، ولا يشق طريقاً، ولا يوفر فرصة عمل لجائع. التصفيق مجرد لحظة نشوة تعبر ثم تذهب، تعود بعدها الحياة إلى جديتها، ويظل *السؤال المعلق* : ماذا بقي منك أيها المسؤول بعد أن غادرت؟
أما هنا، في ثقافتنا التي خلطت بين الاحتفاء والتقديس، تحول التصفيق والتطبيل إلى طقس مقدس، وإلى غطاء يخفي به البعض فشلهم، وإلى سلم يتسلقه آخرون على حساب من سواهم. نحن للأسف نصنع من المواكب أصناماً، ثم نندهش حين نكتشف أن الأصنام لا تشبع جوعاً، ولا تعلم جاهلاً، ولا تبني وطناً. نندهش حين نرى أن غبار المواكب لا ينبت زرعاً بل يفسده، ولا يروي ظمأ، ولا يدفع عجلة الحياة إلى الأمام..
ألسنا بحاجة إلى وقفة مع الذات؟ إلى مراجعة عميقة لمعاييرنا في اختيار من يديرون شؤوننا؟ إلى قوانين تجعل من الإخلاص شرطاً، ومن الأمانة واجباً، ومن المحاسبة قدراً لا يسقط بالتقادم ولا يلغي بالتصفيق؟ هل آن الأوان لنزيل الارتباط بين حجم الضجيج وحجم الإنجاز، و نفرق بين من يبني صروحاً حقيقية ومن يبني صروحاً من وهم؟

نريد مؤسسات لا تُدار بالهوى، ولا تُحمى بالهالة المصطنعة، ولا تُحصَّن ضد المساءلة. نريد مسؤولين يعرفون أن المنصب لحظة عابرة، وأن الأمانة ثقيلة، وأن العين التي لا تراقبها عيون الناس، تراقبها عين لا تنام. نريد من يفهم أن الموكب سينقضي، ولن يبقى منه إلا ما ترك من أثر في حجر أو روح أو واقع.
إن غابت محاسبة البشر، فحساب رب البشر قائم. وإن طال الموكب وارتفعت الأصوات، فلن يبقى من ذلك كله إلا الأثر. غبار المواكب تذروه الرياح، والهالات تزول بزوال أصحابها، والتطبيل يموت بموت المناسبة. أما الأثر الحقيقي، فيبقى حيث يلتقي العمل الصادق مع ضمير حي، ووطن يستحق منا أكثر من ضجيج عابر.
فلا تخدعنك مواكب اليوم، واسأل نفسك دائماً: غداً، حين يسكت الضجيج وينقشع الغبار، ماذا سيبقى من هؤلاء؟ ماذا سيبقى منا؟.

د.عادل السريحي
٧ مارس ٢٠٢٦

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى