طفرة تكنولوجية ونكسة أخلاقية!

صلاح دياب:
ينظر كثيرون إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بـ«عيون» سياسية وعسكرية واستراتيجية. لكنى أتأملها من زاوية مختلفة. نعيش فى عصر يمتلك فيه الإنسان أدوات جبارة للتقدم والازدهار. لكنه لا يزال يحمل غرائز بدائية. وصل التقدم العلمى والتكنولوجى الإنسانى آفاقًا غير مسبوقة، ماذا فعل البشر بهذا التقدم؟. استخدموه فى إفناء بعضهم البعض.
الأسلحة الدقيقة التى تُعلن الإدارة الأمريكية عن استخدامها فى ضرب إيران، تجعلنى أتساءل: هل يتقدم البشر تكنولوجيًا ويتأخرون أخلاقيا؟. انظر إلى ما يجرى فى السودان واليمن وليبيا والأراضى الفلسطينية المحتلة. الأسلحة يتم تطويرها لقتل الشعوب. لا يشعر الناس العاديون بمزايا التقدم التكنولوجى، بل بخطاياه وكوارثه. عالمنا يعانى أزمة أخلاقية غير مسبوقة.
الذكاء الاصطناعى طفرة تكنولوجية هائلة. يمكن أن نستخدمه فى مضاعفة الإنتاجية. لكن هناك من استغله فى تزييف الحقائق وانتهاك الخصوصية والتشويه المتعمد للآخرين. مواقع التواصل الاجتماعى نجاح فريد فى ربط العالم. لكنها أنتجت عزلة اجتماعية وانتشارا لخطابات الكراهية.
هوس التريند جاء على حساب المبادئ. الهندسة الوراثية فتح علمى عظيم فى علاج الأمراض المستعصية. إلا أن بعض العلماء يدقون ناقوس الخطر من إمكانية قيام بعض الباحثين المغامرين وشركاء الدواء والتكنولوجيا بالتلاعب بالجينات و«إنتاج» أطفال غير بشريين. مما يعنى تلاعبا فى طبيعة الخلق.
المشكلة ليست فى التكنولوجيا كأداة لخدمة الإنسان. بل فى الفجوة الزمنية التى يعانيها البشر، كما يقول العلماء. العلم يركض بسرعة البرق بينما تطور القوانين والأخلاقيات يسير بسرعة السلحفاة. الأداة، أى التكنولوجيا، عملاقة. لكن الضمير البشرى قزم. هناك بشر لا يهمهم سوى المصلحة الذاتية، حتى ولو كان ذلك على حساب قتل الآخرين أو تدمير حياتهم. الآن، يمكن لزعيم أو قائد عسكرى بضغطة «زر» أن يشن هجومًا سيبرانيًا يستطيع من خلاله شل حياة شعوب بأكملها. أو يسمح بحملة تزييف يمكن أن تُؤذى الملايين.
فى الماضى، كانت السقطات الأخلاقية محلية. أى أنها تحدث فى نطاق مجتمع معين أو دولة ما. الآن، الفضائح الأخلاقية تنتشر كالوباء فى كل العالم. انظر إلى فضيحة جيفرى إبستين رجل الأعمال الأمريكى الذى كان يدير شبكة لاستغلال الفتيات القاصرات فى ممتلكاته الخاصة مثل الجزيرة التى امتلكها فى البحر الكاريبى. بعد انكشاف أبعاد الفضيحة، لم يعد الأمر متعلقا بإبستين وحاشيته فقط. ولا حتى ببلده أمريكا. الوثائق، التى تم نشرها، أكدت أن الفضيحة عالمية تورط فيها رؤساء دول سابقون وسياسيون وأكاديميون ورجال أعمال، وحتى من الأسرة المالكة البريطانية. إنها العولمة التى أساء البشر استخدامها. أصبح البشر سلعة للسيطرة والمتعة. من علامات تهاوى الأخلاق أيضا، أن نخبة العالم السياسية والمالية، تواطأت وصمتت على تلك الانتهاكات الأخلاقية الخطيرة.
ليس معنى ذلك، أننى أطالب بنبذ التكنولوجيا وعدم الاستثمار فيها. كل ما أريده أن تكون الأخلاق هى «البوصلة» فى التعامل مع هذا التقدم العلمى الرهيب. الصراعات ليست قدرا محتوما، واستغلال التكنولوجيا لإيذاء البشر يمكن منعه، أو على الأقل ترشيده. فقط إذا استعدنا المنظومة الأخلاقية التى تحكم العالم. وقف الحروب لن يكون بالتخلى عن التكنولوجيا. السياسة «وظفت» الأخلاق ثم داست عليها. مطلوب إعادة الاعتبار للأخلاق.



