كتاب عدن

حُلم إنقاذ البشرية ..



كنتُ في ريعان الفُتُوَّةِ أظن أن بمقدوري إصلاح العالم بما أَتحدَّثُ به أو أكتبه وأنشره من قضايا إنسانية، فكنت أحمِل حماستي الثورية كرسالة مصيرية. لكنني، مع إبحاري في غمار الحياة، أدركت أن زادي الفكري آنذاك لم يكن كافيًا لمعالجة أزمات الكون الشائكة.
ومع تراكم سنوات التجربة، ازددت يقينًا باستحالة إصلاح العالم كله، فبدأت أتقلص داخل دوائري تدريجيًا، انتقلت أفكاري من آفاق البشرية الواسعة إلى عالمنا العربي، وكلما تقدمت في العمر زاد نضجي المعرفي ، فخَفَت حماستي لإصلاح “الجامعة العربية” وتركت شؤون اثنتين وعشرين دولة لشعوبها وقادتها.

ثم انحسر أفق تفكيري أكثر، فصرت أهتم بوطني اليمن، الذي يرزح تحت وطأة الحرب منذ أحد عشر عامًا ، بالوفاء والتمام . وفي كل محطة من هذه الرحلة، كنت أشعر أنني أفقد جزءًا من تلك الثورة الداخلية، وأخذت الحماسة تتسرب مني كالماء بين الأصابع .

وبعد أن استعصت حالة الوطن، انكمشت وضاقت دائرة اهتمامي إلى المدينة التي أسكنها، ثم انحسرت أكثر إلى الحي الذي أقطنه، وأصبحت أفكر في أوضاع جيراني والناس المحيطين بي .

وغدًا… من يدري؟ قد لا أفكر سوى ببيتي وعائلتي الصغيرة، بل ربما انحسر اهتمامي أكثر فلا أفكر بغير ذاتي وبإنانية فظة، فلا غرابة .
قد يرى البعض هذا المسار مُحزنًا أو مضحكًا، لكنني أراه الآن ضروريًا ومفيدًا لشخصٍ كان يومًا طوباويًا يحلم بإنقاذ العالم ، فأصبح واقعيًا يبدأ من نقطة التأثير الممكنة.

لقد استبدلت حُلم إنقاذ البشرية بقناعة إصلاح ما أستطيع فعله، وأدركت أن التغيير الحقيقي يبدأ من دائرة النفس، ثم يتسع كما تتسع حلقات الماء حين تلامس سطح الحياة.

لعل هذه ليست نهاية الحماسة، بل بداية جديدة لحماسة أكثر نضجًا ، ترسم بأصغر الخطوات أكبرها أثرًا.

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى