إلى العرب.. الحكمة وقت الفتنة!

علاء الغطريفي
فى وقت الفتنة، من المفترض أن تبحثَ الشعوب عن المشتركات كى تبنى فوقها أسوارًا عالية لحماية الامتداد التاريخى والجغرافى والتَّمسُّك بوحدة اللغة والمصير أيضًا.
لم يكره العرب جغرافيتهم قط، حتى ولو أظهرت مواقع التواصل الاجتماعى عكس ذلك عبر التنابُزِ بين الحين والآخر فى لحظاتِ التشوش والشك، فما هو راسخٌ تنزاحُ أمامه اندفاعاتٌ آنية متعجلة يملؤها الغضب وشهوة الإدلاء بالآراء على الفضاء الاجتماعى.
للعرب وطنٌ واحدٌ، وسيظل، حتى لو اختلفت الأقطار؛ اللغة وطنُ الجميع، أبديةٌ لا ينفيها بوست، ولا تشوهها «تويتة»، ولا يهددها منشور، قلبٌ نابضٌ لن تنال منه مغامرات التايم لاين ولا التصريحات العلنية المندفعة.
مهما علا التنابز الرقمي المُعتمَّد على تبادل المُعايَرة والتَّذكِرة بالأفضال، يتلاشى أمام الحقيقة التاريخية عن المصير المشترك.. وما أقصده لا يتعلق بديباجات اللغة والمُحسِّنات اللفظية واستجلاب المشاعر الوحدوية، بل بتجليات من التاريخ تجاوزت الخلافات، لتنتهي بالعودة إلى واحات الوفاق والاتفاق، ولنتذكر العرب المصطَفين ضد الصهاينة في حرب 1973، وكذلك العرب المتحدين لإنقاذ الكويت من براثن عدوان جار طامع.
كانت الأحداثُ الأخيرةُ اختبارًا حقيقيًّا لمسألة الانكفاء على الذات التي شجَّعها بعض العرب، ورأوا فيها طريقًا للمستقبل، مع إزاحة العروبة كفكرة بوصفها أيديولوجية يرونها تعطيلًا للتقدم، وينتقدها البعض الآخر؛ لأن الزمن تجاوزها، ومِن ثَمَّ لابد من طىّ صفحتها لصالح مشاريع أخرى يتصدَّرُها الاقتصاد!
تُستَدعَى اليوم الفكرة العروبية؛ كي يقف «الجميع مع الجميع» فى الظرف الدقيق الحالى، حتى من دُعاة القُطريّة، فى إعادة إنتاج للفكرة الوحدوية، التى لا نجد منها سوى منظمة إقليمية أريد لها أن تظل مُقيّدة. والغريب أن الجميع يستصرخها الآن ويريدونها أن تُحسِن التصرُّف، رغم أن بعضهم شارك في تعطيل مساراتها الطبيعية!
هنا لا ندعو لاستدعاء الأيديولوجيا مرة أخرى، ولكن البناء على تاريخ الاتفاق، والعنوان واضحٌ وصريحٌ «مصلحة العرب أولًا»، نكره إسرائيل ولكن لا نحب أى طامعٍ آخر فى أراضينا، بمن فيهم إيران.
ما يجمعنا أكبر بكثير مما يُفرِّقنا، ولعلنا نستفيد من الدرسِ الآسيوى، كى نُنَحى الخلافات جانبًا ولا نبحث عن تطابق المواقف بالكلية، ولعلنا ننفى عنَّا ما قاله أحد قادة الآسيان: «العرب فى أى اجتماع، إذا كان لديهم اختلاف وحيد وسط مجموعة من نقاط الاتفاق، يتركون جميع تلك النقاط ويركزون على الاختلاف الوحيد، ومِن ثَمَّ يذهب اجتماعهم سُدى!».
مِظلَّةُ الجغرافيا مع اللغة أقوى من أى مظلّات مُستدعَاة. نحن فى لحظة تاريخية يُعاد فيها تعريف الأمن فى الإقليم، فلم ينفعنا الارتهان بالآخر، ولم يبق لنا سوى تجمُّعٍ إقليمى يحمل كثيرًا من الفرص. لدينا مؤسسةٌ جامعةٌ، ويلزمُها فقط إرادةٌ للتفعيل ومنحها المساحة كى تؤدى أدوارها، لتكونَ معنى وليست مبنى فحسب!
من الحتمى أن نلتزم الحكمة فى وقت الفتنة، فليس للعرب إلا العرب، وقد جرَّب الجميع وَصْفات للبقاء والاستقرار عبر عقود، وانهار كلُّ شىء، وبدَت الحقيقة عارية: «لا يمكن كراهية الجغرافيا، فتعاقبك الجغرافيا»، وفى لعنات الجغرافيا «اندثار»!



