حتى لا تكون الهدنة خديعة جديدة!

عبدالله عبدالسلام:
عندما شنت أمريكا وإسرائيل حربهما على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، كانت الأهداف: تدمير البرنامج النووى وشطب القدرات الصاروخية والقضاء على القوات البحرية والجوية وحماية الحلفاء فى المنطقة. كان الهدف الأهم تغيير النظام. دعا ترامب صراحة الشعب الإيرانى إلى «أخذ زمام الأمور» وإسقاط النظام، معتبرا أن ذلك قد يكون الفرصة الأخيرة للأجيال القادمة. بعد ٤٠ يوما من الحرب، جرى التوصل لوقف القتال لمدة أسبوعين. ماذا تحقق؟ وما هى حسابات المكسب والخسارة لكل طرف؟.
العدوان دمر الدفاعات الجوية الإيرانية وقدرات إنتاج الصواريخ والبنية التحتية للبرنامج النووى، ولجأ فى الأيام الأخيرة إلى ضرب الأهداف المدنية من محطات طاقة وكهرباء ومصانع البتروكيماويات وغيرها.
فى المقابل، ردت إيران باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة. خبير عسكرى أبلغ «سى إن إن» أن إيران دمرت ١٣ قاعدة عسكرية أمريكية. هاجمت طهران إسرائيل بموجات لا حصر لها من الصواريخ البالستية بعضها يحمل رؤوسًا عنقودية. رغم الرقابة العسكرية الصارمة، بدت صور دمار مواقع عسكرية وصناعية فى أنحاء إسرائيل مُذهلة وكاسحة. إيران هاجمت أيضا دول الخليج بدعوى خروج طائرات وصواريخ أمريكا من أراضيها.
رغم الأضرار الفادحة، لم تنفد قدرات إيران. استمرت حتى اللحظة الأخيرة قبل إعلان الاتفاق، تطلق الصواريخ. لو زالت قدراتها، لما كان هناك معنى للتفاوض معها. أمريكا لا تتفاوض مع طرف مهزوم، بل تفرض عليه شروطها. تغيير النظام كان الفشل الأمريكى والإسرائيلى الأكبر.
بدأ الأمر بالتعهد بإزاحة كاملة للنظام، ثم تحول إلى تغيير سلوكه. لم يحدث هذا ولا ذاك. ليس صحيحا أن شخصيات جديدة أكثر اعتدالا تتولى الحكم الآن. على العكس، ربما كان هناك تشددا أكثر. استخدام ورقة مضيق هُرمز كان الخطوة الإيرانية الأهم والأكثر ذكاء. كانت بمثابة حركة مفاجئة فى لعبة شطرنج، تفاجأ بها الخصم الأمريكى. أصبح إعادة فتح المضيق شغل ترامب الشاغل. أى العودة إلى ما قبل الحرب. و«كأنك يا أبا زيد ما غزيت».
خلال الأيام الماضية، بدت خيارات ترامب لتحقيق نصر حاسم كارثية. أسواق المال تضغط عليه، وهى أهم عنده من مقتل آلاف المدنيين. ماذا يفعل؟ لم يبق سوى خيار «الإبادة الشاملة». كانت عبارته: «حضارة كاملة ستزول الليلة»، عارا عليه وعلى بلاده. جلبت عليه غضبًا غير مسبوق. دعوات فى أمريكا لتفعيل التعديل ٢٥ للدستور، والذى ينظم خلافة الرئيس، أى بدء إجراءات عزله. لم يكن أمامه سوى التراجع خطوة للوراء. إيران تراجعت أيضا. بعد رفض أى وقف مؤقت للقتال، وافقت عليه، وعلى إعادة فتح المضيق.
إسرائيل التى استهدفت إنهاء «ملف إيران» للأبد، فشلت فى ذلك. ستظل إيران تهديدا لها. وافقت على الهدنة انصياعًا وليس اقتناعًا. أصابعها ستظل تلعب لإفساد المفاوضات الأمريكية الإيرانية فى باكستان غدًا. لا ضمانات لنجاح المفاوضات. بإيعاز من إسرائيل، قصف ترامب جولتى محادثات سابقتين، وشن حربين فى يونيو ثم فبراير. الرئيس الأمريكى وافق على الهدنة مضطرًا. لن يتفاجأ العالم بإنهائه للمفاوضات المقبلة، واستئناف العدوان. إيران عليها أن تحذر من أن تُلدغ من «جُحر» ترامب ثلاث مرات.المصري اليوم



