إيران.. بقاء المحتضر

إيران التي خسرت قياداتها ومرشدها ومصانعها وبرنامجها النووي، بل وأكثر من ذلك بكثير، حتى إنها استدعت طائرات باكستانية لتحمي وفدها التفاوضي من الاغتيال في طريق المفاوضات؛ يحاول النظام جاهدًا تصوير الهزيمة الساحقة كانتصار عظيم .
وفي مشهد عبثي لا يصدقه عقل، يقف النظام الإيراني، ويقف معه وكلاؤه وأذرعه، بل وحتى البسطاء والسذج من أتباعه ، ليرددوا معًا نشيد انتصارهم المزعوم، كما لو أنهم يستمعون إلى صدى طبول النصر في قاع بئر الهزيمة العميقة .
المفارقة الكبرى ليست في الهزيمة ذاتها، بل في قدرة آلة البروباغندا الإيرانية على إعادة تعريف الواقع وفق المنهجية المعتادة التي أتقنتها الأنظمة الشمولية عبر التاريخ .
وفي هذه الحالة العجيبة يصير السقوط صعودًا، والهزيمة انتصارًا، والموت حياةً، والخسارة مكسبًا، والانكسار مجدًا. إنها كيمياء الدعاية التي تحوّل الرصاص إلى ذهب، والدمار إلى ملحمة، والركام إلى منصة للخطابة.
لكن الهزيمة الحقيقية ليست خسارة السلاح والمصانع وحدها ، ولا خرابًا اقتصاديًا وبنيويًا طال أغلب المنشآت الصناعية التي شُيّدت خلال نصف قرن أو يزيد؛ وإنما الهزيمة الأعمق والأشد فتكًا هي أن تفقد القدرة على رؤية الحقيقة، أن يتحول قول الصدق إلى جريمة ، واستنطاق الواقع إلى خيانة ، وأن يصبح التصفيق للعار فضيلةً .
الذين ما زالوا في خدرهم وغفلتهم، يتمسكون بوهْم أن النظام الإيراني لم يسقط بعد، فصواريخه لا تزال تُطلق صوب دول الجوار وصوب إسرائيل، ويقولون: لا تتسرعوا، انتظروا وسترون الحقيقة المرة . وكأنهم لا يدركون أن إطلاق الصواريخ ليس سوى شهقة المحتضر ، وحركة العضلات اللاإرادية بعد الموت السريري .
فإيران أضحت كيانًا خاويًا بلا فاعلية حقيقية، مجرد هيكل قائم لكنه بلا روح، فلم يستطع حماية أجوائه من الاختراق المتكرر، ووصل به الأمر حد التلويح العلني باستخدام مواطنيه كدروع بشرية إذا ما قررت أمريكا ضرب منشآت الطاقة الحيوية ، في مشهد يجسّد قمة العجز والاستهانة بالإنسان .
نعم، إيران لم تعلن استسلامًا ظاهريًا ، ولم توقّع وثيقة استسلام كما فعلت ألمانيا النازية على أنقاض برلين، أو كما أذعن إمبراطور اليابان على ظهر البارجة “ميسوري”؛ لكنها في صميم كيانها انهارت، خسرت، هُزمت، وفقدت كل مقومات القوة الحقيقية.
وإذا كان النظام لم يسقط أو يعلن استسلامًا رسميًا، فذلك لأنه ليس مهددًا باجتياح بري شامل كما حدث في العراق وأفغانستان، ولأن طبيعة المواجهة ظلت محصورة في السماء .
كما أن من المفارقات المهمة أن النظام الإيراني كان محظوظًا باقتصار الحرب على غارات جوية وعلى دقتها ، وفي ظروف دولية معقدة أقل ما يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيل والرئيس الأمريكي ترامب، لا حرب تحالف دولي عريض .
فإسرائيل تعاني داخليًا ودوليًا من أزمات متصاعدة، وأمريكا ليست بأمريكا التي حشدت الناتو ودول العالم في حروبها السابقة، ولا الناتو هو الناتو الذي عرفناه، ولا أوروبا هي أوروبا القوية الموحدة .
فالقوتان الضاربتان لا تحظيان بالدعم السياسي أو العسكري أو الشعبي أو الدبلوماسي الكافي، وهذا باعتقادي كان سببًا رئيسًا في إبقاء النظام الإيراني قائمًا على واجهة المشهد .
لكنه ليس بقاء الأقوياء، ولا صمود المنتصرين، بل هو بقاء المحتضر الذي يتنفس اصطناعيًا عبر أجهزة الإنعاش، ويظن مَن حوله أن ارتفاع مؤشر النبض يعني عودة الحياة ، بينما الحقيقة المرة أن لا فائدة تُرجى من استفاقته ثانيةً .
إنه أشبه بجسد ضخم سرت فيه الشيخوخة الجيوسياسية ، فأصبحت حركته بطيئة وثقيلة، وقراراته مرتبكة، وتاريخه يُقرأ من الخلف إلى الأمام .
في غرفة الإنعاش الجيوسياسي، يرقد النظام الإيراني الان على سرير الأحداث، تحيط به أجهزة الوهم وصافرات الإنذار الكاذب . وحوله يقف الأطباء المزيفون، يعدّون النبض البطيء انتعاشًا ، ويرون في شهقة الموت نفسًا جديدًا .
لكن الحقيقة القاسية التي لا يريدون سماعها أن نظام إيران يحتضر ، والانتصارات لا يحققها المحتضرين ولا اولئك الذين يرفضون الاعتراف باحتضارهم .
فما أقسى الموت البطيء حين يكون أبطأ من قدرة أصحابه على استيعابه ! وما أمرّ الحقيقة حين تصبح أثقل من أن تحملها كتف الخرافة !
إن نظام إيران اليوم لا يعيش انتصارًا ولا يستعد لمعجزة قيامة ، بل يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على مذبح أوهامه ، وستكون شاهدته الوحيدة حين يُكتب في ذاكرة الزمن أن إمبراطورية الفُرس الجديدة سقطت لا بالحديد والنار، بل بسمّ الوهم القاتل الذي سقته لنفسها، وتجرّعه شعبها مرغَمًا ، وعانت منه شعوب المنطقة جميعًا .
محمد علي محسن



