مقالات

أفريقيا تدفع ثمن هرمز


نوفر رمول


أمن أفريقيا الغذائي معلّق بمضيق
العالم يتابع وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، ويرصد حركة الناقلات في مضيق هرمز، ويحسب أسعار خام برنت، لكن على بعد آلاف الكيلومترات من المضيق، قارة بمليار ونصف المليار إنسان تدفع فاتورة حرب لم تكن طرفًا فيها. أفريقيا اليوم من أشد المتضررين من إغلاق هرمز، وأقلهم حضورًا في النقاش الدولي حوله.

أفريقيا قارة غنية بالموارد الطبيعية، لكنها تعتمد على استيراد الوقود المكرر، وتتأثر أسواقها بشدة بأي صدمة سعرية ناتجة عن إغلاق هرمز. مع تعطّل المضيق، تعاملت الحكومات الأفريقية مع الصدمة بأدوات متباينة: بعضها فرض تقنين الوقود وأعطى الأولوية للنقل العام والخدمات الحيوية، وبعضها رفع الأسعار ثم اضطر إلى خفض الضرائب والرسوم لامتصاص جزء من الأثر على المستهلك، وحكومات أخرى لجأت إلى مزج الوقود بالإيثانول لتمديد المخزون المتاح. كل خيار من هذه الخيارات يحمل كلفة مباشرة: التقنين يُبطئ النشاط الاقتصادي، وخفض الضرائب يفتح ثغرة في المالية العامة، ورفع الأسعار يضغط على أسر تُنفق أصلًا نصف دخلها على الغذاء والطاقة. المعادلة واحدة في كل عاصمة أفريقية: تمرير الكلفة إلى المواطن يُهدد الاستقرار الاجتماعي، وامتصاصها من الميزانية يُهدد الاستقرار المالي.


غير أن الوقود جزء واحد من الأزمة، الأسمدة هي الجزء الأخطر. فرغم أن أفريقيا تُنتج نحو ثلاثين مليون طن من الأسمدة سنويًا، فإن دول أفريقيا جنوب الصحراء تستورد نحو تسعين في المئة من استهلاكها من خارج القارة، بسبب خلل لوجستي وتجاري ظل مؤجلًا لعقود: ضعف شبكات النقل الداخلي، وارتفاع تكاليف الشحن البري، وحواجز تجارية بين الدول تجعل استيراد الأسمدة من الخليج عبر البحر أرخص من نقلها برًا من دولة أفريقية مجاورة. ثلث الأسمدة المتداولة بحريًا في العالم يعبر هرمز، وإغلاق المضيق حوّل هذا الخلل المزمن إلى أزمة حادة. إثيوبيا تستورد غالبية احتياجاتها من الأسمدة عبر البحر الأحمر، وأي ارتباك في المضيق يهدد سلاسل إمدادها الحيوية. كينيا، التي بدأ مزارعوها موسم زراعة الذرة، تواجه نقصًا حادًا بعد تعطّل الشحنات، وملايين الكيلوغرامات من الشاي عالقة في مستودعات ميناء مومباسا بسبب ارتباك سلاسل الشحن البحري. الرئيس التنفيذي لاتحاد المزارعين في شرق أفريقيا، ستيفن موشيري، وصف الوضع بأن الأمطار المبكرة تركت للمزارعين نافذة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا لتجهيز الحقول وتطبيق الأسمدة، وهي نافذة تضيق كل يوم.

ما يُضاعف الأثر أن الزراعة الأفريقية تعمل أصلًا بأدنى مستويات التسميد في العالم، فالمزارع الأفريقي يضع على أرضه أقل من سُبع ما يضعه نظراؤه في بقية العالم، وهذا يعني أن أي نقص إضافي، مهما بدا محدودًا، يضرب المحصول بقوة أكبر مما يضربه في دول تستخدم أضعاف هذه الكميات. أبحاث ميدانية من زامبيا تُظهر أن التأخر في وصول الأسمدة في بداية الموسم يُخفّض محصول الذرة بأكثر من أربعة في المئة، وحين تكون الهوامش ضيقة إلى هذا الحد، فإن شحنة أسمدة تتأخر أسابيع عن موعدها تعني الفرق بين موسم يُطعم أسرة وموسم يدفعها إلى الجوع.

من الحقل تنتقل الأزمة إلى الاقتصاد بأكمله، فارتفاع أسعار الوقود يرفع كلفة النقل والري والتخزين والتوزيع دفعة واحدة، وفي قارة يُنفق سكان العديد من دولها نسبة كبيرة من دخلهم على الغذاء، يتحول كل ارتفاع في الأسعار إلى تآكل مباشر في القدرة الشرائية. برنامج الأغذية العالمي يُقدّر أن نحو 28 مليون أفريقي إضافي قد يدخلون دائرة الجوع الحاد إذا استمرت الأزمة حتى منتصف العام. في الصومال، الذي يعاني أصلًا من جفاف حاد، ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية عشرين في المئة منذ بداية الحرب، وبنوك مركزية أفريقية كانت قد بدأت دورة تيسير نقدي بعد سنوات من التشديد، وجدت نفسها أمام معادلة مقلوبة: تضخم يعود بفعل صدمة خارجية، وتباطؤ اقتصادي يتطلب خفض الفائدة، والسياسة النقدية محاصرة بين الاتجاهين.

وقف إطلاق النار، إن صمد، قد يُعيد الناقلات إلى المضيق خلال أسابيع، لكن إعادة تشغيل سلاسل إمداد الأسمدة وإيصالها إلى المزارع الأفريقية تحتاج وقتًا أطول، والأرض التي فاتها موسم التسميد لن تنتظر نتائج مفاوضات إسلام آباد.

أفريقيا اليوم أمام درس مكلف: أمنها الغذائي معلّق بمضيق لا تملك فيه قرارًا ولا مقعدًا على طاولة التفاوض، وكل أزمة تعبره تُقرأ في الحقول وتُدفع في الأسعار.العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى