اليمن السعيد.. سعيد حقًّا بمواهب أبنائه !

طارق الشناوي
قبل عرض الفيلم اليمنى ( المحطة ) فى المهرجان التقيت بمنتجة الفيلم الأردنيَّة «ناديا عليوات» التى شاركت فى سيناريو الفيلم، وهى أيضا سبق وأن شاركت بكتابة سيناريو العديد من الأفلام الأخرى، سألتها هل نحن بصدد فيلم نسائى ؟ لأن المخرجة أيضا امرأة ، سارة إسحاق ، قالت لى أنا كل مشروعاتى السينمائيَّة سواء تلك التى أنتجتها وشاركت فى كتابة السيناريو مثل ( المحطة )، أو أنتجتها، أصنفها فقط أفلام إنسانيَّة، يخرجها أو يلعب بطولتها رجال أو نساء، الأمر هنا يخضع للحالة الدراميَّة، ولا دخل أبدا لهذا النوع من التصنيف، وما يتبقى فى النهاية هو هذا الإحساس الوجدانى.
لنا كسينما عربيَّة فى هذه الدورة التى أسدلت ستائرها مساء أمس، أفلام من المغرب وفلسطين وهما كثيرا ما تشاركان بالحضور إلى ( كان ) وغيره من أكبر المهرجانات ، بل وحصدا أيضا جوائز متعددة من أغلب المهرجانات ، إلا أن سعادتى مضاعفة هذه المرة وأنا أرى المخرجة اليمنيَّة سارة إسحاق تتلألأ بفيلمها ( المحطة ) فى ( أسبوع النقاد ) وتضع لأول مرة اليمن على خريطة ( كان )، وهذا القسم يعرض فقط سبعة أفلام، على مدى الأسبوع.
قبل نحو أربعة أعوام شاركت السينما المصريَّة فى هذ القسم بفيلم ( ريش ) إخراج عمر الزهيرى وحصدنا لأول مرة الجائزة الذهبيَّة ، إلا أن الفيلم حتى الآن لم يحظ بموافقة رقابيَّة لعرضه جماهيريا، وتلك حكاية أخرى ، الأفلام يختارها فقط اتحاد، أو رابطة النقاد فى فرنسا، مثلما تختار رابطة المخرجين هناك أفلام قسم ( أسبوعى المخرجين )، وهو ما يمنح المهرجان زخما وثراء ، لأنه يفتح باب الاختيار أمام عيون أخرى ، يمنحه الحق فى الانتقاء، وليس فقط إدارة المهرجان.
المخرجة سارة إسحاق والتى سبق أن شاهدت فيلمها القصير ( ليس للكرامة جدران ) فى مهرجان ( دبى )، وأخرجت أيضا الفيلم الوثائقى ( بيت التوت ) ووضعت سارة اليمن لأول مرة على خريطة مسابقة ( الأوسكار ) الأمريكيَّة.
المرأة كما ترى هى العنوان، لكننا لسنا بصدد فيلم نسائى، أنه فقط فيلم عن الإنسان اليمنى فى دولة الحضارة والتاريخ ، قلوب المصريين والعرب لا يمكن أن تقف على الحياد مع هذا البلد العظيم وهو يتمزق داخليا ، المخرجة لا تنحاز إلى فصيل شمال أو جنوب ولكنها تعلن على الشاشة وبدون صخب، انحيازها للوطن ، وهذا هو السياق الذى يتحرك من خلاله السيناريو وتقدمه المخرجة بكل نضوج.
بالفيلم عبق وعمق كل تفاصيل الحياة التى صار يعيشها اليمن، هناك من يريد توجيه البلد للتناحر الداخلى حتى تتمزق كل أوصاله، ولكن لا يزال هناك أمل لكى يعبر اليمن هذا المنحنى الخطر.
داخل محطة الوقود التى تقودها النساء، الكل يلهث باحثا عن الهروب والتجنيد للشباب إجبارى ، والإعفاء لمن يريد عليه أن يسدد رقما تعجيزيا تسبقه ستة أصفار ، من أجل أن يشعر بأن عليه الخضوع المطلق للحاكم وكأنه القادر على رسم كل تفاصيل الحياة، ولهذا حتى الأطفال ليس من حقهم اللعب، كما تعود الأطفال فى الدنيا كلها ، ولكن المقصود هو عسكرة الحياة.
المخرجة تقدم لنا شذرات دالة عن الحياة الاجتماعيَّة والثقافة المعيشيَّة ، حتى لحظات الفرح الشحيحة والضحكات الخجولة لم تغفلها سارة إسحاق، ظلت لها مساحتها داخل دائرة ( الكادر )، أنت لا تتابع حدوتة دراميَّة ، ولكن ترى وطنا من خلال محطة الوقود يسعى لكى يقول للعالم كله نحن هنا، لا نزال نتنفس ونقاوم سلاحهم ليس المدفع أو الخنجر ولكن التشبث باخر رمق فى الحياة، كجمهور لم نر معارك على أرض الواقع داخل اليمن الممزق بين فريقين كل منهما يرى انه يعبر عن فكر ووجدان الشعب اليمنى ، ولكننا شعرنا جميعا بالمأساة بكل أبعادها . أعجبنى أيضا قدرة المخرجة على قيادة ممثليها خاصة منال الملايكى ورشاد خالد، كما أنها حافظت على تدفق روح الطفولة بدون افتعال لجميع من شاركوا بالتمثيل ، لأنهم ببساطة لا يمثلون أمام الكاميرا ولكنهم حطموا تلك المسافة الزئبقيَّة تماما.
سعيد بأن اليمن السعيد من حقه أن يسعد بأبنائه الموهوبين، الذين يضعون أقدامهم بثبات وثقة على عتبات ( كان )!!.المصري اليوم



