كتاب عدن

الإعاقة بين نظرة الشفقة وحق المشاركة الكاملة




✍🏻 – لبنى القدسي


قبل أيام وأنا أفتش في أوراقي القديمة شدت انتباهي قصاصات صغيرة ملونة كانت بينها، لم تكن مجرد أوراق عادية، كنت أعرف جيدًا ما فيها، فقد كانت تشع بوجوه وأصوات، وتجارب حقيقية لنساء صنعن المستحيل.

تعود تلك الأوراق لمشاركات في دورة تدريبية حول الآليات الدولية والوطنية المعنية بالنساء من ذوات الإعاقة، كان لي شرف تدريبهن، وكنت في بداية التدريب قد طلبت من كل مشاركة أن تعرف عن نفسها مع الإشارة إلى إنجاز في حياتها تفتخر به، فكان ما سمعته مفاجأة لم أتوقعها، لكلٍ منهن قصة نجاح، تمنيت أن تُروى هذه القصص، وتوثّق في كتب العظماء.

هذه التجارب وَلّدت لدي ثقة مطلقة بأن أي شخص قادر على أن يضع له بصمة حين يخلع جلباب الشفقة والمظلومية، ويتسلح بالإرادة والعزيمة.

ما زلت في كل مرة اقرأ تلك الأوراق أشعر بالاعتزاز بتلك النساء اللواتي قاومن الإعاقة، وصنعن نجاحًا ترك بصمةً وأثرًا في حياتهن وفي المجتمع.

هذه الأوراق لم تعد مجرد ذكرى بالنسبة لي، بل تذكيرًا صارخًا بأن الإعاقة لم تكن يومًا حاجزًا أمام الطموح، بل كانت وقودًا له، وأن العجز الحقيقي ليس في الجسد، بل في الروح التي تتوقف عن المحاولة.

أتذكر- بينما كنا نستعرض واقع الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء ذلك التدريب- كم شعرت بالحزن وأنا أستمع لما يُطرح من تقصير وإهمال تجاه هذه الفئة من قبل الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، لكنني لمست أيضًا أن أحد أسباب هذا الإهمال يعود إلى جهل الأسر والأشخاص أنفسهم بالقوانين والاستراتيجيات التي تمنحهم بعض الامتيازات للحصول على الخدمات والتمتع بحقوقهم؛ ولهذا لا يطالبون بها، فيُحرمون من الخدمات ويعيشون حياة بائسة، بل إن بعضهم يعيش منبوذًا.

وكان ما أسعدني خلال ذلك النقاش هو إشادة بعض المشاركات بدور القطاع الخاص، واهتمام بعض مؤسساته بدعمهم، فكان مما طرح إيجاد ممرات آمنة في بعض المؤسسات والمراكز التجارية التي اعتبرت خطوة ممتازة. وأرى أن دور القطاع الخاص في تبني مشاريع وبرامج تعمل على دعم ومساندة الأشخاص ذوي الإعاقة لا يقل أهمية عن دور الجهات الرسمية.

بالطبع عالم الإعاقة مليء بالإنجازات والقصص الملهمة، وكثير من ذوي الإعاقة، من الجنسين، قد صنعوا المستحيل، ومن المهم تسليط الضوء على تلك البصمات والقصص الناجحة، وإبرازها لتكون رسالة للآخرين منهم؛ ليخطوا خطاهم، وليعرفوا أنه لا شيء يقف في طريقهم.
وبالمثل، فإن على الأشخاص من ذوي الإعاقة رفض نظرة الشفقة والإحسان، والإيمان بأن لهم حقوقًا متكاملة غير منقوصة، مثلهم مثل الآخرين، بما فيها حق المشاركة الكاملة في كل مناحي الحياة العامة، والمشاركة السياسية وصنع القرار.

في بلادنا، يُعد الأشخاص ذوو الإعاقة من أكثر الفئات عرضة للتهميش والانتهاكات والإقصاء؛ ولهذا فإن مسألة حماية حقوقهم وتوفير بيئة آمنة لإدماجهم ضرورة وطنية وإنسانية تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية على حد سواء.

ومن أجل بلوغ هذه الغاية، ينبغي العمل على بناء قدراتهم في مجالات عدة، وتعزيز معرفتهم بمبادئ حقوق الإنسان والاتفاقيات والقوانين المعنية بحقوقهم؛ لأن بناء القدرات والتدريب والتأهيل هو الخطوة الأولى لتعزيز هذه المشاركة، وتفعيل أدوارهم السياسية والمجتمعية، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة القائمة على العدالة والمساواة.

ومع الإقرار بحجم التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن تجاوزها يتطلب تغيير الصورة النمطية تجاههم أولًا، ودمجهم بشكل فعال في المجتمع ثانيًا. وهذا يحتاج إلى نشر الوعي بحقوقهم وقضاياهم، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية لهم، وتشجيعهم على المشاركة في سوق العمل، وتوفير البنية التحتية التي تتيح لهم الوصول إلى الأماكن العامة والخاصة، وألا يتم استثناؤهم من المشاركة في الورش والفعاليات المختلفة، وحمايتهم من العنف، من خلال إيجاد مصفوفة قانونية تعزز هذه الحماية، وتطوير القانون رقم (61) لسنة 1999م بشأن رعاية وتأهيل المعاقين، ومواءمته مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وسد الفجوات، وإضافة ما يضمن لهم الحماية والمشاركة والعيش الكريم.

ولا يقتصر الأمر لتجاوز تلك التحديات على التدريب والاهتمام والبيئة التشريعية، بل لا بد من إدماج التكنولوجيا الحديثة في حياة ذوي الإعاقة، كي يتاح لهم الحصول على المعلومات والاستفادة منها في حياتهم العملية، مثل الإشارات الضوئية، وشاشات اللمس، وتقنيات تحويل الكلام المكتوب إلى كلام مسموع؛ لأنها تجعلهم أكثر قدرة على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي وسلس، وتساعد على إدماجهم بشكل فعال في الحياة العامة.

إن الصورة النمطية التي تُصوِّر هذه الفئة، على أنهم عالة على الأسرة والمجتمع، يجب أن تتغير، وأن تلعب وسائل الإعلام المختلفة دورًا بارزًا في تعزيز حضورها، وإبراز قدراتها وإبداعاتها ومواهبها المختلفة، إضافة إلى دمج قضاياها في البرامج والمسلسلات، وتسليط الضوء على الجانب المشرق من حياتهم.

*المقال الفائز بالمركز الأول في مسابقة الوعل اليمني لـ “أفضل مقال صحفي للعام 2026”

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى