مقالات

أزمة الشرعية بين النظرية والممارسة

أبريل 08, 2015
عدد المشاهدات 1593
عدد التعليقات 0
أزمة الشرعية بين النظرية والممارسة

سامح المحاريق

يعرف الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين الشرعية بأنها قناعة المحكومين بجدارة الحاكم وأحقيته في أن يحكم ويدير له أموره عنه، وينقل بهاء الدين اقتباسا عن ديفيد ايترن ملخصه أن المواطن يتبع النظام السياسي القائم الذي يتسق مع قيمه ومبادئه وأخلاقياته وأمانيه ليس لمنفعة شخصية مباشرة، ولكن لمنفعة عامة في المدى البعيد.
ضمن المعنى السابق، فإنه يمكن تجنب الخلط في مفهوم الشرعية، وفض الاشتباك بين رؤيتين للشرعية تتعارضان بصورة جوهرية، والأهم من ذلك، فك الارتباط بين الشرعية والديمقراطية، فالديمقراطية هي طريق للشرعية، ولكنها ليست الطريق الوحيد، ففي حالة اليونان مثلا، تتأرجح السلطة بين الأطياف السياسية المختلفة، ولكن أيا منها لم يستحوذ على الشرعية لأن اليونان ببساطة تراوح الفشل إلى الفشل الذريع ليس إلا، ومواطني اليونان يشبهون الغريق الذي يبحث عن قشة.
ينقل محمد حسنين هيكل في كتابه (زيارة جديدة للتاريخ) مقولة رئيس الحزب الكاثوليكي الأسباني أثناء أزمة السلطة بعد الجنرال فرانكو: (دعونا لا نخدع أنفسنا. إن أي بلد يستطيع أن يعيش في ظل نظام ملكي أو جمهوري. في ظل نظام برلماني أو رئاسي. في ظل نظام شيوعي أو فاشستي. لكن أي بلد لا يتسطيع أن يعيش تحت الفوضى. إننا اليوم نسير في جنازة الديمقراطية)، وهذه مقولة تحمل من البلاغة ما تحمله من المرارة، ومشكلة الشرعية في العالم العربي ليست في الديمقراطية، ولكن في البنية التحتية التي يمكن أن تعمل الديمقراطية على أرضيتها.
الشرعية في اليمن اختطفت على الرغم من أنها لم تقم على أساس ديمقراطي، فالواقع أن قطع الطريق على الاستقرار كان يمثل ضربة لأي شرعية محتملة، والحوثيون وجدوا في تفجير الوضع قفزة للأمام للتهرب من أي استحقاق ديمقراطي محتمل.
في المقابل، فإن الديمقراطية الشكلية دفعت بالإخوان المسلمين الأكثر جاهزية للسلطة، ولكنهم لم يتحصلوا على الشرعية لأنهم فشلوا في فترة قياسية في إقناع المصريين بجدارتهم، وبدأت أكاذيبهم تتساقط بصورة محزنة ومؤسفة، ومثيرة للسخرية أيضا، فبعد أن كان مرسي المرشح يتحدث عن مشروع نهضة شارك فيه مئات الخبراء، تبين أن المشروع لم يكن سوى توهيمات نظرية فضفاضة، وكانت الإعلانات الدستورية ضربة أخرى لأي شرعية يمكن أن يحوزها مرسي، وبالتالي، انتزعت الشرعية ضمن ديمقراطية شكلية أيضا، ولكن مع وعي بمعطياتها ومتطلباتها.
الشرعية تتمثل في المنجزات الملموسة، وليس في أي شعارات أو خطابات أو أنظمة أو قوانين، فطالما أن المواطن لا يستطيع أن يتلمس مخرجات (عملية الحكم)، فإنه لا يستشعر أي شرعية، ويبقى التواصل مع السلطة معدوما أو مشوها على الأقل، ومشكلة الشرعية هي في الاعتقاد بأن البنية التحتية للدولة هي تحصيل حاصل، وأنها كانت بصورة دائمة موجودة بوضعها الراهن، ولكن مجرد القدرة على السهر إلى ساعة متأخرة دون كثير من القلق هو محصلة جهاز إدارة يقوم على تراكم من الخبرات والتجارب.
الشرعية اليوم للاستقرار والأمن، ذلك لا يعني نكوصا عن طموحات الإصلاح أو تملصا منه، ولكنه يعني أن يكون أي طرح قائما على تصور واقعي للواجبات الأساسية للسلطة، لا مجرد طموحات وأوهام تنكشف بمجرد تعرضها لأول التحديات الواقعية حتى لو كان بعضها يعتبر من البديهيات والأساسيات، ويجب على من يدعي الشرعية أن يكون على مستواها.

* الرأي الاردنية

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى