مقالات

موغابي.. نهاية حتمية

نوفمبر 21, 2017
عدد المشاهدات 1321
عدد التعليقات 0
فؤاد أبو حجلة

رغم أن تجربة موغابي ليست سابقة أولى في تاريخ إفريقيا المعاصر، إلا أنها قدمت نموذجاً صارخاً لمحاولة تحدي القدر والخروج عن النص التاريخي وحتميات التطور أعترف بداية بأنني من الذين يؤمنون بضرورة وجود الزعيم القوي القادر على بناء الدولة وحمايتها، وقد كان في بلادنا قادة من هذا النوع حاربهم الغرب بضراوة حتى رحيلهم المفجع.

كان لدينا زعيم أمة قيل لنا إنه قضى بأزمة قلبية، وكان لدينا زعيم ثورة قيل لنا إنه مات مسموماً، ولا نعرف حتى الآن من سممه وكيف، وكان لدينا زعيم خاض حروباً ضد أعداء الأمة من الفرس واليهود، وقد ودعنا بكبرياء ورقبته ملفوفة بحبل المشنقة.

كان في العالم أيضاً قادة أقوياء استنسخوا النموذج الستاليني في قيادة بلادهم وشعوبهم، ولم يكونوا ديمقراطيين، فاعتبرهم الغرب أعداء للحرية، بينما كانت الولايات المتحدة تسخر كل طاقاتها لحماية جنرالات جبابرة وصلوا إلى الحكم تحت المظلة الأمريكية، ولعل دكتاتور تشيلي المخلوع أوغستو بينوشيه كان نموذجاً للدمية العسكرية الحاكمة بقوة العسس والبوليس.

حاكم زيمبابوي المخلوع روبرت موغابي كان يمكن أن يكون حاكماً قوياً وصاحب مشروعية لو كان لديه مشروع وطني، لكن الدكتاتور الهرم، استبدل المشروع الوطني بمشروعه الشخصي، ولم يلتفت أبداً إلى حاجات شعبه التائق إلى العدالة بعد إنجاز مشروعه الوطني بالخلاص من حكم العنصريين البيض في ثورة كان موغابي أحد قادتها ورموزها.

فور استلامه للحكم بادر الديكتاتور المخلوع إلى إقصاء رفاقه في الثورة عن مواقع السلطة في البلاد، وقمع الكثيرين منهم ولم يكتف بإبعادهم عن الحكم، بل لجأ إلى حشرهم في السجون مستسلماً لأوهامه المريضة وخوفه من تآمرهم عليه.

وكما هي نهايات الطغاة، انتهى موغابي محبوساً في بيته تحت الإقامة الجبرية، وتولى السلطة جنرالات قالوا إنهم سيحكمون البلاد حتى إجراء انتخابات. وسواء أوفى الجنرالات بوعدهم أم نكثوا به، فإن نهاية موغابي تظل مناسبة احتفالية للملايين من شعبه المقهور الذي نزل إلى الشوارع احتفالاً بالخلاص من الطاغية.

كان الدكتاتور الهرم الذي تجاوز الثالثة والتسعين من عمره يظن نفسه مخلداً وباقياً إلى الأبد، وكان مستفزاً في مظهره وفي أدائه في الحكم.. وكان فاسداً، فأطيح به بتحرك عسكري لقي تجاوباً وتأييداً من الشعب الذي عانى سنين طويلة من حكم صادر حاضر البلاد وكان يسعى لمصادرة مستقبلها.

ورغم أن تجربة موغابي ليست سابقة أولى في تاريخ إفريقيا المعاصر، إلا أنها قدمت نموذجاً صارخاً لمحاولة تحدي القدر والخروج عن النص التاريخي وحتميات التطور.

لم يستفد موغابي من تجارب أقرانه الطغاة في القارة السوداء، ولم يتعلم من تجارب الطغاة الآخرين الذين كانت نهاياتهم بائسة في أمريكا اللاتينية وفي دول أخرى في العالم، منها دول عربية كان فيها من يظن أنه ملك الملوك وانتهى مسحولا ومهانا قبل قتلة، وكان فيها من تنطنط بين الجهات الأربع، وتحالف مع شياطين البلاد بعد خلعه، لينتقم من شعبه وممن تجرأوا على استجواب شرعية بقائه في الحكم وسرقته لمقدرات البلاد وأهلها.

لماذا لم يستفد موغابي من تجارب الآخرين؟
أغلب الظن أن الرجل كان مصدقاً لما يقوله مستشاروه عن صلابة حكمه، وعن تعلق شعبه به، وربما كان يظن أيضاً أن تاريخه الثوري يمنحه شرعية التسلط والبلطجة، وقد يكون للأمر علاقة بسلامة تفكير الدكتاتور الهرم الذي تجاوز حد الخرف.

في كل الأحوال قدم موغابي نموذجاً طازجاً لنهاية الطاغية، نأمل أن يستفيد منه آخرون يظنون أنفسهم مخلدين، ويطغون في الحكم تحت رايات ثورات خاضتها الشعوب ولم يخضها أولادهم، فالشعوب التي تثور من أجل حريتها لا تقبل استبدال الاحتلال الأجنبي بطاغية محلي مهما كانت قوة الشعار الوطني المرفوع.24

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى