
مارس 25, 2017
عدد المشاهدات 804
عدد التعليقات 0
د. محمد عاكف جمال
إحدى أبرز الإشكالات في الأزمة السورية التي تربك المنطقة منذ ست سنوات هي أن القوى العظمى رغم امتلاكها الآليات الفعالة للتأثير على مساراتها لم تفعل ما يكفي لتلافي تدهور الأوضاع ووصولها إلى ما وصلت إليه، فلم تعمل إدارة الرئيس الأميركي أوباما سوى القليل جدا لمقاربتها تاركة لروسيا المتعطشة للانطلاق حرية الأخذ بخيار الحسم.
جاء التدخل العسكري الروسي في سوريا تحت باب الحرب على الإرهاب درءاً للمخاطر التي قد يتعرض لها الأمن القومي الروسي، حيث بدت موسكو حريصة على تصفية مواطنيها الذين انضموا لداعش.
إلا أنها لم تخطط للبقاء بضعة شهور أو بضع سنين فقد جاءت إلى سوريا لتبقى.استغرقت روسيا أكثر من عقد من الزمن منذ سقوط الاتحاد السوفيتي السابق للتأقلم مع حقائق الواقع الدولي الجديد لتعيد اكتشاف هويتها ولترسم سياسات تنسجم مع الأهداف البعيدة المدى وفق العقيدة العسكرية التي تبنتها مع مجيء الرئيس بوتين لسدة الحكم عام 2000.
حيث شهدت الميزانية العسكرية زيادة تدريجية عكس ما حدث طيلة عهد سلفه بوريس يلتسين الذي اعتمد عقيدة عسكرية محافظة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي بتخفيض تدريجي لهذه الميزانية لتصل إلى الحد الأدنى عام صعود الرئيس بوتن.
موسكو رصدت بدقة سياسات إدارة الرئيس أوباما في منطقة الشرق الأوسط على مدى سنوات، وتحققت من جدية رغبتها في الانكفاء نحو الداخل وعدم اكتراثها بما يجري في سوريا، خاصة بعد تراجعها عن تنفيذ تهديداتها بشأن تجاوز الخط الأحمر الذي وضعته في حالة استخدام النظام السوري السلاح الكيمياوي.
فاستشعرت بأنها أمام فرصة نادرة لاتخاذ قرار حاسم تسترد به بعضاً من نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق. فرصة تسمح لها بتوسيع نفوذها في المنطقة بما يتجاوز الأزمة السورية. سوريا منصة مناسبة جدا لعرض قوة موسكو العسكرية لتعلن بوساطتها بأنها عادت لتلعب دور الدولة العظمى على المسرح الدولي، وعلى واشنطن أن تتعامل معها وفق هذا المعيار.
فإضافة إلى تعزيز وجودها العسكري في سوريا وفي شرق البحر الأبيض المتوسط أصبح الدور الذي تلعبه روسيا في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر اللجنة الرباعية بوضع أفضل بعد أن توسعت قاعدة تفاهماتها مع إسرائيل بسبب وجودها جغرافياً وعسكرياً بالقرب منها.
كما توافر لها بهذا التدخل ورقة مساومة دبلوماسية للتخفيف من حدة العقوبات الغربية التي فرضت عليها إثر ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014. سياسة روسيا في سوريا جزء من استراتيجية الدولة الروسية ورؤيتها لمنطقة الشرق الأوسط ودرجة أهميتها لمصالحها. وقد مرت العلاقات الروسية بالمنطقة بمراحل عديدة شهدت توسعاً كبيراً مع بداية الحرب الباردة ثم انكماشاً شديداً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .
وهذه العلاقة مرشحة للتوسع مجدداً.هذه السياسة كشف عنها الرئيس بوتين في خطابه السنوي أمام مجلس الدوما في الأول من ديسمبر المنصرم الذي استعرض فيه الخطوط العامة للاستراتيجية الداخلية والخارجية. وهو خطاب اتسم بالحزم والقوة على خلاف الخطابات السنوية التي سبقته خاصة، وهو يتهيأ لاستقبال إدارة أميركية جديدة بعد أن حقق نجاحات في تثبيت موقفه في سوريا.
وقد بدا للمتابعين في حينه بأن الملف السوري قد أصبح كلياً بحيازة موسكو إلا أن متغيرات هامة طرأت على الوضع العسكري على الأرض، منها دخول القوات التركية شمال سوريا، وتزايد الحضور الأميركي، وظهور الخلافات مع إيران، وهو ما وضع موسكو أمام استحقاقات لا تستطيع تجاهلها.
روسيا على دراية بأنها لن تتمكن من الانفراد بالملف السوري، ولن تستطيع تجاهل دور الأمم المتحدة، فالعاصمة الكازاخية ليست بديلاً مقبولاً لجنيف وأن أي حل للأزمة السورية لن يكتب له النجاح ما لم يحظ بدعم دولي على رأسه قبول الولايات المتحدة.
والحقيقة أن رؤية روسيا لمستقبل سوريا قد لا تكون مختلفة كثيراً عن الرؤية الأميركية، فالرئيس بوتين رغم تأكيده في الخطاب المشار إليه على ضرورة وحدة سوريا، وحرصه على تسفيه ما ذهب إليه البعض من أن روسيا تدرس خيار تقسيمها، ذكر بأن موسكو لا ترفض النظام الفيدرالي في حالة طرحه كضرورة للخروج من المأزق السوري.
وهو ما كرره نائب وزير الخارجية الروسي نهاية فبراير المنصرم. فالموقف الروسي من طموحات أكراد سوريا غير خفي، فقد سبق لوزير الخارجية الروسي لافروف أن وجه بعض النقد لمباحثات جنيف لعدم إشراك الأكراد فيها، ومارست موسكو بعض الضغوطات على المندوب الأممي دي مستورا بهذا الشأن.
ويأتي نشر قوات روسية مؤخراً في منطقة عفرين التي يشكل الأكراد غالبية سكانها لمنع صدام محتمل بين قوات سوريا الديمقراطية مع القوات التركية أو الجيش السوري الحر ليؤكد الموقف الروسي المتعاطف مع الطموحات الكردية. والحقيقة أن روسيا تعمل على توفير الحماية للأكراد، كما توفرها الولايات المتحدة لهم، فالطرفان يشتركان في الذهاب إلى ما يرفضه النظام والمعارضة، وترفضه كذلك كل من تركيا وإيران.



