ادب وثقافة

أمنيةُ المتنبيّ وخيبتُه مع الفلافل في بيروت

نوفمبر 28, 2017
عدد المشاهدات 1462
عدد التعليقات 0
*أمنيةُ المتنبيّوخيبتُه
مع الفلافل في بيروت
 
ابراهيم يوسف- لبنان
 
 
حُجِبَ هذا الموضوع عنالنشر في بعض المواقع، ومنها مجلة عود الند في عددها 54 الصادر في كانون الأول منالعام 2010، كتعقيب على الكاتبة بهاء بن نوَّار من الجزائر، عن مقالها “وحشةالأنصاب” المنشور في ذات الموقع، وذلك مباشرة قبل الإطاحة بالرئيس حسنيمبارك؛ حينما كانت السلطة المصرية الحاكمة يومئذٍ تترنح للسقوط؛ ومعاهدة الصلح معإسرائيل، كان قد أبرمها السادات منذ زمن طويل. وتقول الكاتبة على لسان نصب المتنبيفي بداية النص:
 
“وحدي من يبقىمتيقظا حتى هذه الساعة من الليل. جميعهم  لجأوا إلى بيوتهم؛ ومن لم ينم بعد سيفعل عمَّاقليل. أشدّ أطراف عباءتي عليّ قليلا – فمن قال: إنّ مثلي لا يتحرّك!؟ – ثم أغمضعينيّ، لا لأستجلب بعض النعاس، فقد نمت أكثر ممّا ينبغي. أغمض هذين الثقبين فقط،لأتذكـَّر وأستحضر بعض ما مرّ بي في النهار.”
 
“ففي كلّ صباح أتحرّرمن هذا المسخ الفولاذيّ، الذي يصرّون على أنه أنا. ألقي نظرة على قاعدتيالإسمنتيّة “المرتفعة قليلا، أقل كثيرا مما هي عليه قاعدة صدام” وأبدأجولتي اليوميّة. أحيانا ألقي التحيّة عـلى من يصادفني من بقـيّة الأطياف الهائمة مثلي،وأحيانا أخرى أكتفي بإيماءة خفيفة، أو أصعّر خدّي وأمضي في سبيلي متجاهلا الجميع.” “انتهت ببعض التدخّل منِّي”، مقدمة “وحشة الأنصاب”لكاتبته بهاء بن نوار.
 
في ذلك الحين كانالأميركيون قد غزوا العراق، بسبب “مزحة” أسلحة الدمار الشامل، وحينماتوقفت الحرب؟ لم تنته ولو باعتذار بسيط يقولون فيه: أخطأنا ودمَّرنا بلادكم فلاتؤاخذونا.. وعليكم السلام. لكن إبان العدوان على العراق، أبقى الأميركيون على نصبالمتنبي، وثأروا من تمثال صدام قبل أن يذلوه، ويعدموه شنقاً يوم الأضحى صبيحة نهارالعيد؛ وبعض الحقيقة فحسب أن من “الشيعة” من شمت وشفى غليله بالإعدام،وتعاطف مع الأميركان ممن كانوا قد تلاعبوا بصدام فاستغبوه وورطوه في حرب عقيمة معإيران، فلم ينجُ من تبعات ومفاعيل الحرب العبثية أحد من الطرفين، لتستباح فيهاالدماء ويُدّمر اقتصاد البلدين “المسلمَين” على السواء.  
 
والأميركيون أنفسهم كانواقد “ابتدعوا” أسامة بن لادن، لمحاربة وطرد “شُفَّار” الاتحاد السوفياتي،بلسان الأخوة في اليمن “السعيد”. وأشرفتْ يومئذ وكالة الاستخباراتالأميركية على تسليحه وتدريبه وتمويله وإطلاقه لمواجهة الغزو السوفياتي علىأفغانستان، ووكالة الاستخبارات الأميركية إياها تعقبت ابْنَ لادن، بعدما انتهىدوره فاغتالوه وأخفوا جثته تحت التراب، أو في مكان قصيّ حيث ضاع أثره إلى الأبد فيالبحر وغياهب المحيطات.
 
والأمركيون إياهم نهبواأو ساعدوا على نهب المتاحف وسائر ثروات العراق، فدمروا ومزقوا كالذئاب المسعورة كلما هو مزدهر وجميل في البلاد؛ واستولدوا قبل أن يرحلوا ويزرعوا أرضنا بداعشوالنصرة، حينما فضحوا أنفسهم بتبادل الاتهامات فيما بينهم على أبواب الانتخابات. هكذاارتفعت بيننا معدلات القتل، وازدهرت في مصانعهم سوق الأسلحة من كل صنف ونوع، يزودونبها من شاءوا من العرب الأغبياء، وقليل من العرب من لا يحكمهم ويستبد بهم الغباء،وتعمي قلوبهم الأحقاد! يريحون ويفيدون العدو المُتفرِّج، ويتقاتلون فيما بينهم بلاضمير أو حساب.
 
أما السيارات المفخخةوبوادر الفتنة في لبنان، ونكبة الحرب على سوريا فلم تكن قد اندلعت بعد؛ واليمن كانآمنا لم يعلنوا عليه الحرب. لكن الأوضاع العامة كانت مضطربة ومهزوزة في سائر بلدانالعرب والإسلام. والأمركيون اليوم لا يتيحون لطرف أن ينتصر على الآخر، ليبقىالنزاع قائما ومصانع الأسلحة شغّالة. هذه باختصار بالغ بعض أحوال الإخوان العرباليوم.
 
وأما هذا النص “القصير”نسبيا، فكان مهملا ومركونا في زاوية من زوايا الحاسوب، والفضل في صحوته إنما يعودإلى تعليق للصديق الدكتور محمد علي حيدر من الدار البيضاء؛ على “اكتبني”قصيدة نثرية نشرتْها في صحيفة الفكر الصديقة جليلة الخليع من طنجة، وتعليق آخر  كتبتُه على ذات القصيدة، وعلى ما تفضل بقوله الدكتورمحمد.. وهذا هو  تعقيبي على الموضوع:
 
“أَنامُ مِلءَجُفوني عَن شَوارِدِ(ها)
وَيَسْهَرُ الْخَلْقُجَرّاها وَيَخْتَصِمُ”
الهاء عائدة “للكلمات”في البيت السابق.
 
طيَّب الله ثرى المتنبي، وأبيالعلاء المعري رشيد المعرفة، وصاحب الفكر المتنوِّر الحيّ، وأطال الله في عمركأستاذي وصديقي.. .. المتنبي أحبوه وأقاموا له نصبا في العراق، وعاش في كنف سيفالدولة أروع أيام الشعراء. والدواعش دمروا شارع أمير الدولة في حلب وأطاحوا في المعرةبرأس أبي العلاء، ولكنهم فشلوا في النيل من اللزوميات ورسالة الغفران. أما في مصرفالمتنبي نكَّدَ عليهم عيشهم من أيام الأخشيدي وذكرى الثعالب والعناقيد، وفي لبنانأحبَّهم واعتمَدَ على شهامتهم فخانوه وخذلوه وأطلقوا اسمه على أسوأ الشوارع فيبيروت..!؟

أنت ياصديقي مرجع في النقد والتجرد والتحليل، وأنت عنوان احترام بالغ وثروة يستفيد منرصيدها الجميع. طوبى للصديقة المتألقة جليلة الخليع بهذه العناية والاهتمام بقصيدتهاواعتمادك دقة “الميكروميتر” وكفاءته في النقد والتحليل. والكاتبةالصديقة تستحق بلا ريب هذه الشهادة المنصفة من “سلطة” أدبية عاليةالمكانة والتقدير.
 
 
 

 
“شَرُّ البِـلادِمَكـانٌ لا صَديـقَ بِـهِ
وَشَرُّ ما يَكسِبُالإنسـانُ ما يَصِـمُ

ألخيلُ الليلُ والبيداءتعرفني  
والسيف والرمحُ والقرطاسُوالقلمُ”
 
أجل؛ أحبَّهم واعتمَدَعلى شهامتهم؛ وقد مجَّدهم في التاريخ فخانوه وخذلوه..! ما الذي يرجوهُ الشاعرُالمفجوع، ممن أطلقوا اسمَهُ على شارع البغاءِ في بيروت، وهو يقيم فيها يوما وليلةقبل ترحاله من جديد..؟! لو أُحْسِنَ الظنُّ بهم..؟ فإنهم اختاروا هذا الشارع بعينهليكون سوقاً للبغاء للأسف والخزي الشديد..!
 تبلَّغوا وبلِّغوا يا سادة يا كرام أن شارع الدعارة،في الشرق من ساحةِ الشهداء إنما هو عينُهُ كان شارع المتنبي في بيروت..! من يجهلْفلْيُنَقِّبْ ويسألْ عن الحقيقة المنكرة المرّة..؟ ونفسه بشارة الخوري أو الأخطلالصغير، وريث الإمارة على الشعر بعد شوقي كان يعرف، فلم يثر أو  يعترضْ  ولم يغضب.. حتى ولم  يعتبْ على ما فعلوه..!
جاعَ أبو الطيب المتنبيوهو يمر ببيروت؛ المدينة المنكوبة التي تنكّرتْ له كباقي العواصم، فخذلتهُ ولوَّثتاسمه وسُمْعَتهُ؛ حينما قهره الجوع وبلغت أنفه رائحة “فلافل فريحة”، إلىالجنوب من الشارع المسمى باسمه أو سوق البغاء في بيروت. وهل أقلُّ تواضعاً من هذهالأكلة الشعبيَّة تتوفر للجميع..!؟
 مزّقَ الخدمُ عباءَته وعبثوا بلحيتِه وشاربيه،وارتهنوا كوفيته وخفَّيه، وطردوه لا يلوي على شيء حافيا عاريا حتى من ورقة التين،لأنه لا يملكُ ما يدفعُهُ ثمناً للفلافل؛ فرَقّتْ لحالِهِ وأنْجَدَتْهُ جاراتالمطعم في شارع البغاء المجاور، واستضفنه وأطلقن اسمه على شارعهن؛ ثم سدَّدْنَ عنهحساب ما أكله من فلافل وما شربه من عصير..!
 وحينما ضاقتْ به بيروت، كما ضاقتْ دُنياه مرَّةًفي حلب..؟ حملَ  بين جنبيه قرطَ بغدادَالسبيَّة، وتوجَّه إلى أرض الكنانة مجروحاً على فرس من النسب الأصيل؛ يستجيرُ بعبدالناصر وأبي الهول والنيل، والسيدة زينب وضريح الحسين الشهيد. ترصَّدَهُ حراسُالحدود وتوسَّعوا معه في التحقيقِ وسألوه.. ألستَ القائل: نامتْ نواطيرُ مصرٍ عنثعالبِها** فقـد بشمـن ومـا تفنـى العناقيـد.. ؟! إذاً هياإلى السجن، أو فاذهب إلى الجحيم. عدْ من حيث أتيت أو حيثما شئت.. إلاَّ  القدس!!  تلك الديار لا يخطرنَّ في بالكَ أن تتوجه إليها؛سنقطع ساقيك قبل أن تطأ قدماك أرض فلسطين.
 وبعد؛ لقد تَعِبْتَ كثيرا يا صديقي، كما أتعبتَالعرب وأتعبتَني معهم.. فلا تدعني أُصبْ مرة أخرى بخيبتي فيك؛ واسمعْ جيداً ماأقول: ضاقتْ بكَ الدنيا أيها التاعس في حياته وفي مماته، وخيرٌ لكَ ألاَّ تبْعَثَيومَ القيامةِ من جديد، فتمسَّكْ جيداً بموتِكَ أيها البليد الأحمق، فدنيا العربظلامٌ وليل طويل.. وليس من أمل في فجر يطلع في القريب. أسيافهم صدئة حولوها إلىرقابهم بأيديهم. بيداؤهم متاهة بلا حدود ورمالٌ ذروها في بصائرهم.. خيلهم تحوّلتإلى حمير، وأقلامهم صارت مخارز في العيون، وفكرهم عقيم ونومهم طويلٌ طويل.. ونصفهمصار في “إسرائيل”.
 
* أمنيةالمتنبي..؟ إشارة إلى قوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى