ادب وثقافة

«الإرهابي الصغير» صدمة تربوية تسلّط الضوء على الأسرة

أبريل 20, 2017
عدد المشاهدات 753
عدد التعليقات 0
القاهرة – أمينة خيري 
أحد أبرز منابت الإرهاب الأولى تقبع في عقر الدار. وعلى رأس قائمة العوامل المساعدة على التطرّف والمؤججة للتشدد تنشئة الصغار. ومن أراد أن يمنع الإرهاب عبر الوقاية بديلاً عن لملمة الأشلاء و «الطبطبة» على الجراح والمضي قدماً في أسلوب تربية الإرهابيين الصغار والسماح لهم بأن يترعرعوا في بيئة حاضنة وداعمة انتظاراً لتفخيخ هنا أو تفجير هناك أو تكفير وكراهية وفتنة هنا وهناك، عليه أن يترك الأمور على ما هي عليه مع تجهيز سيارات الإسعاف لنقل المصابين إلى المستشفيات والقتلى إلى قبورهم.
القبور المصرية التي تحوي جثامين أطفال سقطوا في حوادث تفجيرات اقترفها تكفيريون متشددون تحيي مشاهد سقطت من ذاكرة بعضهم على رغم إنها جرت في الأمس القريب. طوابير الأطفال وهم يحملون أكفانهم ويسيرون في استعراض لـ «إيمانهم» و «إيمان» ذويهم (سواء كانوا آباءهم وأمهاتهم أو المسؤولين عنهم في دور الأيتام الذين أُتي بعضهم منها) واستعدادهم ليضحوا بأنفسهم ابتغاءً للشهادة في سبيل الدفاع عن الشريعة والشرعية في اعتصام «رابعة» الشهير في عام 2013 دقت نواقيس خطر في حينها ثم صمتت. هذا الصمت لن يحرّكه مؤتمر يُعقد لمواجهة الإرهاب أو ندوة لمناقشة الفكر التكفيري. كما أن التحذير الذي أطلقته المشرف العام على المجلس القومي للطفولة والأمومة الدكتور مايسة شوقي لن يجابهه وحده.
لقد حذّرت شوقي الأمهات المصريات من «استقطاب الخلايا الإرهابية لأبنائهم». وشددت على ضرورة توعيتهن بواجباتهن تجاه أولادهن، وإعدادهن لممارسة دورهن التربوي باحتراف، وذلك في ضوء الأحداث الإرهابية الأخيرة، «لا سيما أن الأسرة نواة المجتمع وركيزته».
الانتحاري محمود حسن مبارك عبدالله الذي فجّر نفسه في مدخل الكنيسة المرقسية في الإسكندرية ترك طفلات ثلاث لا يتعدّى عمر أكبرهن السنوات السبع، تستوجب العناية بهن ما هو أكثر من التصريحات وأعمق من التحذيرات. البيت الذي نشأن فيه يحوي أباً اعتنق فكراً تكفيرياً دعاه إلى تفجير نفسه وإنهاء حياته إضافة إلى عشرات من المواطنين الأبرياء، على رغم إنه كان يعمل في قطاع البترول في وظيفة تدرّ دخلاً كبيراً (14 ألف جنيه شهرياً)، وأماً تحمل إجازة من كلية الآداب قسم لغة فرنسية لكنها لم تترحّم على أرواح من قضوا بفعل العملية التي قام بها الزوج. كما إنها أكدت أن الله غفور رحيم، وقادر على أن يغفر لزوجها ووالد بناتها إن كان قد أخطأ.
الوالد الذي حرص على مهاتفة بناته قبل أن يفجّر نفسه بأيام قليلة يصنّفه الطب النفسي بأنه نتاج عوامل متشابكة تحوي جوانب وراثية واجتماعية وعقلية ونتاج الخبرات المكتسبة.
أستاذ الطب النفسي الدكتور أحمد عكاشة كان قدّم رؤية نفسية عن الشخص الانتحاري الذي يقتل نفسه من أجل أن يقتل آخرين. يقول إن مسار الجماعات والحركات الإسلامية يشير إلى اقتناص المواهب وسرقتها من سياقاتها الاجتماعية نحو سياق أيديولوجي. ويضيف أن التنشئة الاجتماعية للإرهابيين أحد أهم جذور التطرّف، فهي البيئة التي تنتج تشوّهات فكرية مبكّرة تلازم توجهاتهم حيث يتلازم القتل بالمعتقد ويصبح طريقة للدفاع عنه. وتوفّر هذه التنشئة الدينية لأبنائها مغزى مقدّساً لحياتهم وقيمة لوجودهم. وكلما زاد التشدد والتزمّت والتعصّب في الخطاب الديني الموجّه لهؤلاء، زاد شعورهم بأنهم إلى الله أقرب. أقرب الأمثلة التي سببت صدمة لكثيرين في مصر هذه الأيام بنات الانتحاري الثلاث اللاتي سيُشبعّن على الأرجح بفكرة أن والدهم شهيد جاهد في سبيل نصرة الدين ورفعته ودافع عنه بقتل الأعداء الذين يقطنون البيت المجاور، ويجلسون على المقعد المتاخم، ويعالجون لدى الطبيب عينه، ويحملون ثقافة واحدة ويعيشون في بلد واحد.
تغريدة كتبها أحدهم تسلّط الضوء على الأسرة نواة المجتمع ومصنع تجهيز الأطفال للمستقبل خيراً كان أو شراً، وسطياً أو إرهاباً، تفجيراً أو تفكيراً. «الانتحاري زوج شقيقة قائد الخلية. والخلية (الإرهابية) كلها أقارب ومعارف. وأطفالهم يشكّلون شبكة متناغمة ستنفجر في وجوه الجميع إن لم يكن غداً فأمس».
وبالأمس القريب، وقبل حوادث التفجير بأيام قليلة التقى باحثون وعلماء وطلاب من الأزهر الشريف مع رجال دين من وزارة الأوقاف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية وممثلي «بيت العيلة» (تأسس بقرار من رئيس الوزراء في عام 2011 ويحوي علماء دين مسلمين ومن الكنيسة القبطية وبقية الطوائف المسيحية ومفكّرين) ضمن سلسلة حوارات بين الأديان والأجيال لإنهاء العنف الموجّه ضد الأطفال من منظور ديني، وإصدار وثيقة «السلام والمحبة والتسامح: رسائل أساسية من الإسلام والمسيحية لحماية الأطفال من العنف والممارسات الضارة» بالتعاون مع منظمة «يونيسف».
مدير المركز الإسلامي الدولي للدراسات والبحوث السكانية في جامعة الأزهر الدكتور جمال أبو السرور، قال إن «العنف ضد الأطفال بكل أشكاله والتمييز والتفرقة في المعاملة مرفوض تماماً في الدين الإسلامي، ويتصدّى الأزهر الشريف وجامعته للفتاوى المغلوطة الصادرة ممن هم ليسوا ذوي علم أو مؤهلين للفتوى، وتعاوننا مع منظمة يونيسف والكنيسة القبطية مبادرة مهمة لنشر المفاهيم الصحيحة وإتاحة مرجع يظهر رأي الدين في كل ما يتعلّق بالأطفال».
مدير أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية في الكنيسة القبطية الدكتور هاني رياض، أوضح من جانبه أن الكنيسة القبطية تنادي دائماً بالحفاظ على الطفل والاهتمام به، وتتعاون مع الأزهر و «يونيسف» على مدار السنوات الأربع الماضية لمجابهة العنف ضد الأطفال لا سيما الزواج القسري والعنف المنزلي.
يأتي هذا الحوار كنهج إستراتيجي لنشر الرسائل المجمّعة في الإصدار وطرح آراء رجال الدين في شأن الفرص لإحداث التغيير المجتمعي الإيجابي والتحديات القائمة على أرض الواقع، ومن ثم توسيع نطاق التعاون مع رجال الدين لدورهم الفعال في المجتمع.
وتتناول وثيقة «السلام والمحبة والتسامح» 11 نوعاً من أنواع العنف والممارسات الضارة التي يواجهها الأطفال في مصر والمنطقة والعالم، وهي زواج الأطفال والزواج القسري، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، والتمييز بين الأطفال، وتشغيلهم، والاعتداء الجنسي عليهم، وغياب الرعاية الأسرية والعنف المنزلي، وفي المدارس، والأطفال في الصراعات المسلحة، والإتجار بهم، والعنف ضدهم على شاشات التلفزيون والإنترنت.
المطلوب إضافة وقوع الأطفال ضحايا الفكر الإرهابي سواء تجهيزهم ليكونوا إرهابيي المستقبل أو تقديمهم شهداء لعمليات يقترفها أقرانهم.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى