ادب وثقافة

بين خيبة الكاتب وخيبة القارئ، سقط النّصّ

أكتوبر 14, 2015
عدد المشاهدات 1554
عدد التعليقات 0
بين خيبة الكاتب وخيبة القارئ، سقط النّصّ
قراءة في سلسلة ” يوميّات خائب” للكاتبالفلسطيني ” فراس حج محمد”.

مادوناعسكر/ لبنان

لمن كتب الكاتب القدير” فراس حجّ محمد” هذهالسّلسلة، لنفسه أم للقارئ؟ وهل أتت هذه النّصوص تعبيراً عن الذّات وبوحاًوجدانيّاً فاض من روح متعبة ومتألّمة، أم اتّسمت بطابع استئثاريّ غلب عليه أسلوبمحاورة الذّات بغض النّظر عن حضور القارئ؟
” ما يقتل الكاتب هو القارئ الّذي لا يسمعه. القارئالّذي يقول له: قرأتُ ولم أفهم. قارئٌ لا يقرأ.” (أنسي الحاج). وأمّا ما يفني الكاتب في غياهب اللّغة فهو القارئ الّذييقول: “قرأت وفهمت ولن أعود.”. فقد ينتابه في هذه الأثناء شعور بالملل والرّتابة الّتي خلقها أسلوب الكاتبمع عدم يقينه أنّه مرتهن للقارئ لا لنفسه، وعدم إدراكه أنّ استمراريّة كلّ كاتبمرتبطة بالقارئ .
جبل الكاتب نصوصه بالخيبة والهزيمة والاستسلام، ولا ضيرفي ذلك إذا ما أتت اللغة في سياق يستفزّ القارئ للتّفاعل مع النّص وليس للتّعاطفمع الكاتب. فالفرق شاسع بين التّعاطف والتّفاعل. التّعاطف يتأتى عن قراءةعابرة  لنصّ يطرح إشكاليّة الحزن والوجع،يتذكّر القارئ من خلالها بعضاً من أوجاعه إلّا أنّه لا يندهش! أمّا التّفاعل، فهولحظة الاتّحاد بين الكاتب والقارئ، فينطق الأوّل ويندهش الثّاني ويدخل إلى أعماقذاته ليبحث فيها عن لغة يحاكي بها الكاتب. افتقدت هذه النّصوص لعامل الدّهشة، فأتترتيبة خالية من تطوّر إبداعي يبلّغنا ذروة إحساس الكاتب. ما جعلنا نشعر وكأنّنا أماممياه راكدة لا تتجدّد ولا توحي بالحياة. 
– افتتاحيّة ضعيفة:
لعلّه كان من الأفضل على الكاتب أن يصوغ نصّاً كاملاًمتكاملاً، يعبّر فيه عن وجعه وشعوره بالخيبة، بدل أن يجهد نفسه في كتابة سلسلة منالنّصوص افتقرت لعنصر التّشويق وحثّ القارئ على تتبّع الأحداث.  ويتبيّن لنا من الجزء الأول من السّلسلة أنّالكاتب مارس فعل كتابة بعيد عن الاحتراف، فأسقط عن النّص إبداعه الافتتاحيّ، الّذييُفترض أن يكون العنصر الأوّل في جذب القارئ وأسره في سلسلة من إحدى عشر نصّ.  (احتقرَتْني أمسِ، واحتقرتُ نفسي، وانتهى بنا الطريقالطويل بجملة “سامحني قسيت عليك”! عادي جدا، ما أنا على رأيك “مش أولمرة بصير فيي هيك”!). إنّ تداخل اللّهجة العاميّة مع فخامة اللّغةالفصحى، أضعف النّص وأحدث خللاً في عمقه الوجداني. ما أبعدنا عن ملامسة وجعالكاتب، وخلق هوّة بين عالم الكاتب وعالم القارئ.
– خيبات تتكرّر:
يستقطع الكاتب نصوصه النّثريّة بقصيدة بدت وكأنّهامغرّدة خارج سرب السّلسلة، وما شكّلت جزءاً لا يتجزّأ من السّلسلة. فلو قرأنا تلكالأبيات على حدة، ما وجدنا لها صلة أو رابطاً لما ورد بالأجزاء السّابقة أواللّاحقة. أو لعلّ الكاتب استدرك ملل القارئ وربّما خيبته، فابتنى له عالماً حاولمن خلاله استدراجه لمتابعة القراءة.
لا تكرهوا الشعر إن الشعر غضبانُ
إذ كيف يكتب عند الموت هيمانُ
حلفتك الله إن جاءتك قافيةٌ
فاصمت بحر الجوى والقلب حيرانُ
أنا المخيّب في فكري وملهمتي
والليل مستعر والروح نيرانُ.
– بين خيبة الكاتب وخيبة القارئ: 
شكّل الجزء التّاسع من السّلسلة ذورة الخيبة! إذ اعترفالكاتب علناً أنّه يوجّه رسالة خاصّة جدّاً ويستبعد القارئ.!
تؤكّد لنا الجملة الأولى من النّصّ استمرار الكاتب فياستئثار النّصوص: (عليكِ أنتِ إيقافالنزيف. اقرأي ولا تمرّي عنها مرور الساهرين غير العابئين!)  لكنّهلم يقف عند هذا الحدّ، بل تخطّاه ليلوم على القارئ استنزاف طاقته في قراءة خيباتلا صلة له فيها لا من بعيد ولا من قريب.
كلّ نصّإبداعي يولد في ذات الكاتب هو بمثابة  بحثعن القارئ. ومن يقل غير ذلك فهو إمّا يكتب لنفسه وسيقف عند هذه الحدود يوماً،وإمّا يكتب لنخبة معيّنة تستطيع استيعابه. إلّا أنّ الكاتب قيمة إبداعيّة ينبغي أنتصل إلى الجميع كما ينبغي أن يتفاعل معها العدد الأكبر من القرّاء. وهذا يعتمد علىقدرة الكاتب على استفزاز كلّ قارئ ليسرق منه الوقت المطلوب لقراءة النّص حتّى وإنكان من معارضيه. لا شكّ أنّ قدرة الأستاذ “فراس حج محمد” لطالما كانت عظيمةعلى توصيل الفكرة والإحساس لشريحة كبيرة من القرّاء، إلّا أنه في هذا النّصّاستبعد القارئ صراحةً.  وهنا تشكّلتالثّغرة الّتي أدّت إلى طلب إيقاف هذه النّصوص. (وردتنيرسائل اعتراض كثيرة، مباشرة وغير مباشرة على ما أكتبه من هذه اليوميات الخائبة،إلى درجة أنني أصبحت مكتئبا. رسالة تصف نصاً من النصوص بأنه موجع، وأخرى تطالبنيبكتابة شيء مختلف، فصاحب الرسالة لا ينقصه خيبة مضاعفة، ورسالة ثالثة تكشف عمايعتمل في النفوس من خيبات متكاثرة، وكأن هذه النصوص الخائبة خيبة صاحبها المدهوسبآلام لا حصر لها قد حركت أشجان النفوس المكدودة بآلام قلوبها. ولم تستطع أن تقولأو تبوح، فحضرت هامشا على متن النص، كما أنا تماما إذ أصبحت هامشياً في ذيل هامشمهمش، لا يستعمل ولا يلتفت إليه!)
يمكن للكاتبأن يعبّر عن نفسه وهذا أساس كلّ نص ومحور كلّ كتابة، إلّا أن قيمة الكاتب تكمن فيالتّعبير عن الآخر في نصّ نحاول فيه التّعبير عن أنفسنا. ولمّا وصلت رسائل عدّةللتّوقّف عن كتابة هذه النّصوص، تبيّن أن القارئ لمس أنّه غير معني ولم يُعَبَّرعنه، كما أنّه لم يشعر أنّ الكاتب  يتوجّه إليهبشكل شخصيّ.
بالمقابل نلومعلى الكاتب صياغة الفقرة التالية: (لا أطالب أحدا بقراءة هذه الخيبات، أوالتأثر بها. عليه أن يتجاوز عنها سريعا إلى غيرها من النكت والصور البلهاء، أماأنا فسأكتب ما شاءت لي الخيبة أن أكتب حتى تقضي الخيبة ما هي قاضية في أمر النفسالتي لم تقتنع بذلك الحدث الذي جعل النفس محصورة بين قوسين معقوفين كحالة دالةليست فريدة ولكنها عقيمة.)
كلّ نصّيُنشر يمسي ملكاً للقارئ، ويحقّ له أن يفهمه ويحسّه ويتفاعل معه كما يريد. ولمّا كانالأستاذ “فراس حج محمد” لا يطالب أحداً بقراءة النّصوص فلماذا تمّالنّشر؟ من ناحية أخرى، يُسقط استبعاد القارئ لقب “كاتب” عنصاحبه. لو عرف الكاتب أهمّية حضور القارئ، ما تجرأ على إظهار ردّة فعل أضعفت حضورالكاتب وعمق تركيبة النّصّ.

“أكذوبةٌ ساذجة ادّعاءُ الكاتب أنّه لا يكتب لأحد بل لنفسه. مثل قول حسناء إنّها لاتتبرّج لإعجاب أحد بل إرضاءً لنفسها.” (أنسي الحاج)

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى