ادب وثقافة

ماذا يفعل برخت في القصة

أبريل 27, 2015
عدد المشاهدات 1510
عدد التعليقات 0
وئام البدعيش سوريا

ماذا يفعل برخت في القصة

 ” أتت الفكرة لبرخت أن الناس المعاصرينيتقبلون الواقع إذا عرض عليهم كواقع متغير “.
– برتولت برخت, هوشاعر وكاتب ومخرج مسرحي ألماني. يعدّ من أهمّ كتاب المسرح في القرن العشرين. كماأنّه من الشعراء البارزين. ولد عام ١٨٩٨وأسس نوعاً جديداً أو مدرسة جديدة في المسرح، وهو المسرح التغريبي أوالملحمي….
المسرحالتغريبي…
نظريةالتّغريب تسمى بالنظرية السياسية. وبدأ يستخدم المصطلح التغريب في مسرحية رجل برجل1924.. 1926, يقصد بالتغريب: تغريب الأحداث اليومية العادية, أي جعلها غريبةومثيرة للدهشة, وباعثة على التأمل والتفكير.. بحيث تقدم المادة العادية بطريقة غيرعادية, وتحويل المسار بطريقة مفاجئة, وإدهاش المتفرج…
وكانيهدف برخت, إلى إثارة وعي المتلقي بغرابة واقعه الاجتماعي وتناقضها، الذي يعرّيهالعرض، وإلى إثارة رغبته في تغيير هذا الواقع تغييراً جذرياً حتى يستقيم مرةً أخرى..
فالتغريبهو المسافةً بين المتلقي والخشبة تحول دون تماهي المتلقي مع الحدث الجاري على خشبةالمسرح, ويجعل المتلقي يقرأ الحدث ويبدي رأيه ليشارك في العرض …
” المُشاهد هو العنصر الأهم في تكوينالعمل المسرحي, فمن أجله تكتب المسرحية, حتى تثير لديه التأمل والتفكير في الواقعواتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة في العمل المسرحي “.
 
– بعضالمدارس المسرحية الأخرى..
هناك عدة مدارسمسرحية ظهرت واختلفت اتجاهاتها في إيصال الفكرة, وإيصال الجمال الفني , منها:
المسرح السريالية :ظهر بعد الحرب العالمية الأولى, ويتحدث عن تحرر الإنسان من القيود والتقاليدوالأعراف والقيم الأخلاقية لاقتناص الملذات وإشباع الغرائز والشهوات قبل أن يأخذهمالموت والعدم. ويعد الكاتب الفرنسي  ” جيوم أبولينير “أول من استخدم كلمةسريالية في وصف عمل مسرحياستعراضي ..تعدمسرحية ” اثداء تيريسياس ” أول مسرحية سيريالية عام 1903…. ( من مقالة  “المدارس المسرحية ” لدكتور جميل حمدواي )
 
المسرح الوجودي : ظهرت المدرسة الوجودية إبان الحربالعالمية الثانية, لتشكك في القيم الموروثة والأخلاق الموجودة والتقاليد والأعرافالتي نشأ عليها الإنسان الأوربي, بعد أن كشفت الحرب زيف هذه المبادئ وتدني المثلالعليا والقيم الأصيلة.. مثل” مسرحية الذباب ” ل ” جان بول سارتر ” …
 
المسرح اللّامعقول أومسرح العبث :  نضُجت ورُسمت ملامحهالأساسية بعد الحرب العالمية الثانية, بعد الأهوال التي حصلت في هذه الحرب, بعدالتهدم الإنساني الذي حصل, فاختل التوازن الإنساني, واختلت الرؤى الإنسانية, فظهرتالمفاهيم السلبية والسلبية جداً عن عدم جدوى الفعل الإنساني, وعدم وجود معنىالحياة في الأساس, واضمحلال الأمل. وبما أن الفن كان وما زال مرآة للشعوب كان لابد من ظهور هذا النوع من المسرح غير المتزن والباحث عن الأمل, كما الإنسان….
 
اللب,القصة وبرخت ..وماذا يفعل برخت في القصة …
” تقدم المادة العادية بطريقة غيرعادية, وتحويل المسار بطريقة مفاجئة, وإدهاش المتفرج, وتغريب الحدث  ”
والآن نعود إلى لب الموضوعوماذا يفعل برخت في القصة, أو ماذا سيفعل برخت في القصة….
إذا طبقنا مدرسة برختفي القصة التقليدية, فنبتعد عن القواعد الثابتة ونغيّر القواعد, ونقدّم الواقعبطريقة غير واقعية, ونقدم المنطق بطريقة غير منطقية, ولكن الأهم أن لا نشوه الفكرةفي النص…  أي نغيّر من طريقة إيصالالفكرة, وليس في الفكرة. فالمتلقي أو القارئ في هذه الحال ستصل إليه الفكرة,وسيبحث عن اللّامعقول في القصة, ولماذا القصة بهذا الشكل, وعندما يحدث هذا الحوارالذاتي للقارئ بعد وصول الفكرة الرئيسية, تكون القصة حققت النتيجة المرجوة, بحيث أنهاأوصلت الفكرة بطريقة جمالية غير تقليدية….
” هذه القصص لاتًقرأ وتهضم بسرعة, كما القصة العادية, إنما تحتاج إلى تفكيك وتحليل وتبسيط قبلالهضم, ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع الجديد من القصص ”
 
فالمهمفي هذا النوع من القصة…
1      أن تصل الفكرة بكل سهولة ويسر دون أدنى لبس أو تشويه للفكرة ..
2      أن تكون القصة ممتعة وشيقة وغريبة قدر الإمكان..
3      أن لا تجعل القارئ يتوقع خطوة واحدة إلى الأمام من مجريات الحدث في القصة,وتحويل مجرى القصة بشكل فجائي…
4      أن تُشكل أكبر عدد من الاستفهام, وأكثر حالة من الاستغراب لدى القارئدون المساس بالفكرة الأصلية…
5      أن نعمل على تحريك الجدل الدماغي والبحث لدى القارئ ما بعد القراءةعلى أماكن الخلل المنطقي في القصة, وأن نجعل القارئ يصححها من تلقاء ذاته …
 
لنضرب عدة أمثلة فيهذا النوع الجديد من القصص :
…..قطن منثور…
اللعبةحملت الطفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن، بعيدا عن أصوات المقصات, وهديرمكنات الحياكة المزعج. وزعيق الآلات العجيب. وعندما وصلت إلى أأمن مكان موجود,والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب, ولم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد أن يدخلبمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة. ولكن الذي حدث غيّر كل توقعاتها إلىقطع العاب ممزقة, وقطن منثور … .
…………………………….
….. إخراج جديد …
المشهدخن
وقفت سيارة الجيبموديل ” شيروكي 2015 “,أمام مطعم الفلافل, وما أن فُتح الباب حتى دلقترائحة العطر الفرنسي خارجاً ثم نزل هو ” صاحب النظارة الأغلى عالمياً من نوع” شوبارد ” تصميم شركة ” دي ريجو فيجن” .
كان يلبس ” أيهو ” قميص هندي مبهرج مهفهف. وبنطال جنز, روسي التصنيع سماوي اللون. وحذاءفرنسي من الجلد الممتاز. وساعة يد هي الأغلى عالمياً. كانت في يد مالك سعودي كانمهتم بجمع التحف الأثرية ومات منذ فترة وجيزة …
ملاحظة على الهامش (القميص الهندي  المبهرج المذكور أعلاه,اشتراه بالعملة الصعبة, ولو ترجمت هذه العملة الصعبة إلى العملة السهلة لوضع بجانبالرقم عدداً من الأصفار طويلاً نسبياً )
– رفع يده التييكسوها الذهب من قلة الاستخدام, وأنزل نظارة نوع شو بارد, ونظر بعينين زمردتينتستطيعان أن ترى من دون نظارات أو عدسات ملونة إلى مطعم الفلافل, ثم رفع نظاراتهوهمّ بالدخول….
المشهدالثاني  دن أيضاً….
هو ( أي صاحب المطعمأو من يشابهه أو يكون منه مماثلة ) يلبس ما تيسر من لباس, بنطال فيه من الرقع مايجعل البنطال بحد ذاته رقعة, وقميص فيه من الفتحات يا يجعل جسده جاف طوال الوقتالحار أمام الزيت الحار, وحذاء أقرب إلى شحاطة من شدة النزعات الداخلية والخارجية…
بداية أخرى للمشهدالثاني ” إذا لم تعجبك البداية الأولى ”
رائحة القلي.والمذياع من الستينات ينشر أصوات هادئ لأغنية عرب عرب …
هو, أي ” صاحبالمطعم ” يقلي على نار هادئ أقراص الفلافل وبقايا عمره الذي ضاع خلف المقلى… يأتيه صوت فيروز الزاعق من جواله على فجأة, ينبه بأن هناك مكالمة واردة, لذلكرفع الجوال بيد, واخفض من قوة الغاز بيد أخرى…
 
المشهد الثالث,والأخير في القصة…
دخل صاحب النظارةمزهواً بريشة كالطاووس إلى داخل المطعم, وأزاح عن وجهه النظارة فظهرت عينيه بكلوضوح.. وحدث الحوار التالي الذي لم يغير منه حرفاً واحداً, وذلك بسبب زخمهالتاريخي..
صاحب النظارة : صباحالخير عمي ..
صاحب المطعم : صباحالنور..
– صاحب النظارة : عمينحنا إلنا يومين بلا أكل, نحنا مهجرين, وما في معنا ناكل فيك تعطيني أي شي آخذو..منشان تاكلو أمي وأخواتي الصغار…
نظر صاحب المطعم,بصحاب النظارة الأغلى ثمناً عالمياً, ودقق النظر في القميص الهندي المبهرج فشفق عليه,ونظر إلى بنطاله السماوي الجديد فشفق عليه أكثر, وعندما نظر إلي حذاءه الفرنسياللامع جعل قلبه يصرخ من شدة الألم. فحمل رغيفين من الخبز وعدة أقراص من الفلافلوأعطاه إياها قائلاً : خذ كُلّ أنت أهلك….

شكره صاحب النظارةعلى عجل, وذهب مسرعاً إلى أمه المحتضرة, وأخواته الذين يمتون جوعاً….

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى