ادب وثقافة

إيقاظ المنطق باللّامنطق

مايو 04, 2015
عدد المشاهدات 1341
عدد التعليقات 0
بقلم : مادونا عسكر 

إيقاظالمنطق  باللّامنطق
قراءةفي نصّ ” قطن منثور” للكاتب السّوري ” وئام البدعيش”.

– النّصّ:
قطن منثور.
اللّعبة حملت الطّفلة وركضت، أرادتأن تخبئها في مكان آمن، بعيداً عن أصوات المقصّات, وهدير مكنات الحياكة المزعج،وزعيق الآلات العجيب. وعندما وصلت إلى المكان الأكثر أماناً, والذي يعدّ بيت الربفي عالم الألعاب, لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدارالمقدسة. ولكن الذي حدث غيّر كل توقعاتها إلى قطع ألعاب ممزقة, وقطن منثور…
 
-القراءة:
بحركة غيرمتوقّعة، يبدأ الكاتب ” وئام البدعيش”، هذه القّصّة اللّطيفة الّتي تحملبين سطورها معانٍ غزيرة وعميقة. أراد الكاتب من خلالها إيصال مكنونات فكره وروحه،والهواجس الّتي تقلقه، ولكن بطريقة مباهتة ومفاجئة، غير تلك الّتي اعتاد عليهاالقارئ.
ليسغريباً أن نجد في نصوص عديدة تشخيصاً للأشياء، أو لعناصر الطّبيعة أو للحيوانات.إلّا أنّ ما نقرأه في هذا النّص، هو قلب للأدوار لا يتوقّعه القارئ، بل لا يتوقّعالأحداث المتتالية. ما يجعلنا نشعر للوهلة الأولى أنّ الكاتب خرج عن المنطق.
يستخدمالكاتب أسلوباً أدبيّاً بسيطاً غير معقّد، من خلاله يصيغ قصّته بكلمات بسيطة. وقدتبدو لنا بداية النّص ضعيفة وركيكة (اللّعبة حملتالطّفلة وركضت)، لكنّناسنفهم لاحقاً أنّ الكاتب أراد صياغة أسلوب يشبه توجّهه في سرد أحداث القصّة. فكماقلب الأدوار وجعلها لامنطقيّة، كذلك اتّخذ أسلوباً أدبيّاً يساير قصده.
 ينطلق الكاتب من الواقع المرير الّذي يحيط بهويؤثّر فيه بشكل مباشر. ثمّ يختصره أو يرمز إليه بمصنع للألعاب. وكأنّي به يريدالقول، أنّ الواقع المعاش لا يتعدّى كونه مجرّد لعبة رغم كلّ الألم والأسى.
– العجزالإنساني:
يتجلّى فيهذه القصّة الضّعف الإنساني في ذروته (اللّعبة حملت الطّفلةوركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن). ” الطّفلة” الّتي ترمز إلى الإنسانيّة البريئة والنّقيّة ترزحتحت ثقل ضعفها ووهنها، لدرجة أنّها باتت عاجزة عن حماية نفسها. ولعلّ إيعاز دورالفعل إلى الشّيء ( اللّعبة) مهين للإنسان، بمعنى آخر أنّ الإنسان فقد كلّ قدرةعلى الفعل، فبات الجماد أشدّ قوّة منه. وتأتي العبارات التّالية (أصوات المقصّات, وهدير مكنات الحياكة المزعج، وزعيقالآلات العجيب)، لتعبّر عن عدم الأمان المتدرّج ( أصوات، هدير، زعيق)، مشيراً إلىتصاعد القلق والخوف والاضّطراب.
من المعروف أنّ عالم الألعاب، عالملطيف وفرح، إلّا أنّ الكاتب أراده مصدر ضجيج وصخب يشبه الواقع الّذي تنقله لناالقصّة. فيشير بذلك إلى انعدام الفرح والسّرور والبراءة محوّلاً آداة الفرح إلىآداة تعمل على الهروب من هذا الواقع إلى مكان أكثر أماناً. فإذا بنا نستخلص أنّ الأمكنةبأسرها باتت غير آمنة ومُطَمئنة، وبالتّالي أصبح الخطر يحيط بالإنسان من كل جنبوصوب.
  
– منتهىالعجز:
في إشارةموجعة ولاذعة يشير الكاتب إلى عجز السّماء عن حماية الأرض. ( وعندماوصلت إلى المكان الأكثر أماناً, والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب, لم تكنتتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصهأو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة.). تناقض رهيب ومخيف ينقل أبشع صورة عن الواقع المرعب. فالملاذ الأخيرالموثوق به ( الدّار المقدّسة)، استحال ساحة معركة مع غياب تجاوب السّماء أوتحرّكها. ( لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدارالمقدسة).
 مشهد قاتم، يستفزّ تساؤلات القارئ، ويدعوه إلىتحريك الجدل العقلي والمنطقي وعدم الاستسلام غرائزيّاً لمنطق الواقع القبيحوالانجرار إلى ظاهره المخادع. فحتّى وإن كان عاجزاً عن التّغيير الملموس، إلّا أنّهذا الجدل سيقوده تدريجيّاً إلى التّغيير والانعتاق من العجز والإنكسار.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى