الحبّ التّفاعلي بين الحبّ والامتلاء

فبراير 28, 2017
عدد المشاهدات 702
عدد التعليقات 0
مادونا عسكر/ لبنان
الحبّ التّفاعلي بين الحبّ والامتلاء
قراءة في قصيدة: للشاعر التّونسي يوسف الهمامي
أولاً- النّص:
أبتسمُ الآن
أكْـتُمُك داخلي
ولا أسرّ لشهوتي بك
خشية انسكاب رحيق
أو انفلات وهج
أو إذاعة نفس شارد..
…
أُنِيّمُك بجانبي الأيمن
أُوسّدك حرير روحي
أضمّك بحفيف الشّهوة البكر
أُغطّيك بطرواة الماء …
…
أنت كثير فيّ…
مَرِّرْنِي إلى قارَّتك الوسطى
حتى أتشهّد..
…
كأنّك من أسماء حزني الحسنى …
كأنّك من لاجئي روح المرايا…
من أنت؟؟
حتى لا أدعي أنّك أنا
…
من أنت أيّها الطَيِّبُ النَّكرَة ؟..
أراك تنزل إلى السّماء
تصعد إلى الارض متماهيا معي..
…
ما اسمك ؟
صمتُ الحجر جرى
في صراط النّهر مع التّسابيح
حتّى خشع له المجرى،،
فادخل الصّلاة إذن ..
ادخل الميثاق ..
احتشدْ في الضّوضاء السّاكنة
حتّى حضور الغيب،،
ثانياً-القراءة:
“كلماتنا لا تنطقنا عن هوى، إنّما عن نبوءات ووحي. كلماتنا تحملمفاتيح أبواب الغيب، حيثما قالتنا تدقّنا أبواب اليقين. لا عالم يفتح مصراعيك خارجنا. نحنامتداد أبديّ بلا حدود، نحن سعة الملكوت.” (يوسف الهمامي).
الكلمةالنّاطقة سرّ الشّاعر يوسف الهمامي، وهي الّتي تطوّعه وتسكب في عمقه وجدانهاوفحواها، فتتجلّى القصيدة محراباً يدخله الشّاعر متأمّلاً، غارقاً في قدسيّته حتّىينكشف للقارئ سرّ أسرار القصيدة.
– الآنيّةاللّحظيّة/ توحّد وامتلاء.
تمثّلالآنيّة في افتتاحيّة القصيدة لحظة الوحي الشّعريّ المنسكب في ذات الشّاعر الّذي بدوره ينفتح علىنوره ليتلو أوّل الوحي (أبتسم الآن). كما أنّ هذه الآنيّة لا تعبّر عن الزّمانالقائم بين السّابق واللّاحق، وإنّما هي اللّحظة المتفلّتة من الزّمان والمكان والخارجةعنهما. لذا فنحن أمام نصّ يرتقي عنالمحسوسات ويدخل القارئ في دائرة النّور الشّعريّ. وكلّما ارتفع تمكّن من الغوص فيأعماق القصيدة ليرتشف الجمال ويراه حتّى وإن كان لا ينظره. في هذه اللّحظة الحاضرةبكلّ جمالها ونقائها وسكينتها، يعبّ الشّاعر دفء الحبّ/ الشّخص ويمتلئ منه حدّالالتحام (أكْـتُمُكداخلي). يكتم الشّاعر شخص الحبّ في داخله لا ليسجنه وإنّما ليمتلئ منه وينغمس به،فيمسي الحبّ هو النّاطق على لسان الشّاعر.
(أكْـتُمُك داخلي
ولا أسرّ لشهوتي بك
خشية انسكاب رحيق
أو انفلات وهج
أو إذاعة نفس شارد..)
الكتمان المرافق للصّمت (ولا أسرّشهوتي)، ينبئ بارتحال في حنايا الذّات الخفيّة برفقة الحبّ/ الشّخص. وإن دلّتعبارة (لا أسرّ) على أمر فهي تشير إلى الصّمت التّأمّلي الأبلغ من الكلام.فالكلمات في هذه اللّحظة تقلّل من الانسجام العشقيّ الدّاخليّ ولا ترتقي إلى مستوىقدسيّته. (خشية انسكاب رحيق/ أو انفلات وهج/أو إذاعة نفس شارد..). كأنّي بالشّاعراستحال هيكلاً للحبّ، يكتمه في عمق أعماقه، وينعزل كي ينصهر به ويؤلّف وإيّاه وحدةكاملة متكاملة.
– الامتلاء حبّ فاعل:
ذكرنا أنّ الشّاعر لا يكتم الحبّ فيداخله كنوع من الاستئثار أو الأنانيّة. نستدلّ على ذلك من خلال انتقاله إلى الحبّالفاعل:
(أُنِيّمُك بجانبي الأيمن
أُوسّدك حرير روحي
أضمّك بحفيف الشّهوة البكر
أُغطّيك بطرواة الماء …)
تشير الأفعال (أنيّمك/ أوسّدك/ أضمّك/أغطّيك) إلى حركة الحبّ التّفاعليّ بين الشّاعر والمحبوب، ويتدرّج الفعل برفقورقّة لترتسم الحالة العشقيّة المؤثّرة في نفس الشّاعر والمنتقلة به إلى الاهتمامبالمحبوب اهتماماً خاصّاً (أنيّمك بجانبي الأيمن). لليمين دلالة البركة والسّلام،ما يمنح هذا الاهتمام طابعاً قدسيّاً روحيّاً يفرط من خلاله الشّاعر بالاعتناءبالمحبوب (أوسّدك حرير روحي/ أضمّك بحفيف الشّهوة البكر/ أغطّيك بطراوة الماء).وهنا يتداخل المحسوس مع الرّوحي (حرير/ حفيف/ طراوة) لتتأكّد حقيقة اللّقاء العشقيالمنافية للخيال والوهم. فالشّاعر أمام حقيقة روحيّة ملموسة لا لبس فيها. إلّأ إنّهفي لحظته الآنيّة يشهد لحظة الخلق العشقي (الشّهوة البكر) الّتي تدلّ على اللّقاءالأوّل، حالة الحبّ الأولى. ما تشرحهالسّطور التّالية الّتي نشهد فيها انبلاج صوت المحبوب:
(أنت كثير فيّ…
مَرِّرْنِي إلى قارَّتك الوسطى
حتى أتشهّد..)
هذا اللّقاء الرّوحي القدّسيّ المنغمسفي الوحدة/ union يهيّئ للامتزاج بالنّورالإلهيّ (حتّى أتشّهد).
التشّهد كفعل إعلان الانتماء للهوالاعتراف اليقينيّ به، أو تسبيحه ونمجيده يعكس صورة هذا اللّقاء العشقيّ المنبثقمن السّماء والعائد إليه. فتتشكّل دائرة العشق اللّامتناهي الّتي تتجذّر فيهاالوحدة وتظلّ محلّقة سابحة فيها إلى ما لا نهاية.
– دهشة السّؤال فيحضرة الحقيقة:
فيلحظة خاطفة يرتقي الشّاعر سلّم الوعي المتأمّل أمام حقيقة تجلّت بكلّ أنوارهاوأسرارها. يتلمّس خيوط المعنى، منقاداً بالدّهشة والألم والخشوع.
(كأنك من أسماء حزني الحسنى…
كأنك من لاجئي روح المرايا…)
يتكرّر حرف النّصب (كأنّ) ليعزّزمعنى المعرفة أو تلمّسها، ويترجم حالة الشّاعر التّأمّليّة الذّهنيّة والرّوحيّة.يحاول أن يغوص في المعرفة حتّى يبلغ تمامها ويدور في هذا التّأمّل القدسي (أسماءحزني الحسنى)، فيرتقي بحزنه إلى عالم الكمال ليمنح الحزن طابعاً إلهيّاً. ما يشيرإلى الوعي الضّمني أنّ ما هو مقبل عليه مؤلم حتّى الفرح على الرّغم من مهابةالحقيقة وجلالتها.
(من أنت؟) سؤال الدّهشة لاالاستفهام. وهو بمثابة نتيجة للتّأمّل، كما قدّيس في حضرة النّور الإلهي، يعاين،يندهش، يصمت، يتأمّل ثمّ يسأل (من أنت؟)، كتعبير عن انتشاء من نعيم النّور. سؤالالدّهشة يلقى جوابه في عمق الشّاعر الماثل أمام الحقيقة (حتى لا أدعي انك أنا…).ليس من نفيٍ لحقيقة الأنا- أنت في هذه العبارة بل امتلاك الشّاعر لفضيلة التّواضعوخشوعه أمام نعمة الاتّحاد بين الأنا- أنت. وكأنّي به يستزيد معرفة بالسّؤالويبتغي الولوج في هذا السّر الاتّحاديّ.
(منأنت أيها الطَيِّبُ النَّكرَة؟..
أراكتنزل إلى السماء
تصعد إلىالأرض متماهيا معي..)
الشّاعرغارق في رؤيا، يدلّنا عليها تضارب المعاني والدّلالات (الطّيب النّكرة/ النّزولإلى السّماء/ الصّعود إلى الأرض). ويتبيّن للقارئ خروج الشّاعر عن الزّمنيّةوالمكانيّة، ليدخل في سرّ الرّؤيا منفصلاً عن العالم تمام الانفصال. فالطّيب معروفعند الشّاعر وحده، والسّماء والأرض متماهيتان حدّ ظهور سماء جديدة متحوّلة يعاينهاالشّاعر وينصهر بالدّهشة أكثر. (ما اسمك؟)
للاسمأهميّة كبيرة في تأمّل الشّاعر، فالاسم مرادف للشّخص، ويعبّر عنه ويكشف كيانه.تدرّج سؤال الدّهشة (من أنت/ ما اسمك) حتّى بلغ شاعرنا صفاء البصيرة وتمام النّقاءاستعداداً للعيش في ظلّ الحقيقة مع استمراريّة اكتشافها.
(صمتُالحجر جرى
فيصراط النّهر مع التّسابيح
حتىخشع له المجرى،،
فادخلالصّلاة إذن
ادخلالميثاق ..
احتشدْفي الضوضاء السّاكنة
حتّىحضور الغيب،،)
حقيقةحرّكت ركوداً ما في ذات الشّاعر، وخرج عن الكلام ليلج الصّمت والصّلاة في حضورالأنا- أنت، الوعد (الميثاق) الأزليّ الأبديّ. وما علامة التّرقيم (،،) إلّاانفتاح على هذا الغيب المنتظر وإعلان عن ظمأ وشوق إلى القصيدة الّتي لم ولن تنتهي.



