المرأة ومحاولة العثور على الذّات.

ديسمبر 12, 2016
عدد المشاهدات 843
عدد التعليقات 0
مادونا عسكر/ لبنان
المرأة ومحاولة العثور على الذّات.
قراءة في رواية “ذاكرة الظّلّ” للكاتبةالتّونسيّة فتحيّة بن فرج
في كلّ امرأة ملاك يبحث عن سماء يرفرف فيها بحرّيّة وحبّ دون أن يختلفالعالم على تأديبه أو منحه هذه الحريّة. ملاك يتوق إلى التّفلّت من القيودوالطّاعة الاستسلاميّة، وكأنّي به يريد العودة إلى جوهره الأصليّ، الملائكيّةالإنسانيّة. يقول بلزاك: “إنّ المرأة مخلوق بين الملائكة والبشر”، ماستكشف عنه الكاتبة فتحيّة بن فرج في روايتها “ذاكرة الظّلّ”، وذلك بولوجالذّات الأنثويّة من خلال الّشخصيّة الرّئيسيّة في الرّواية (صونيا) الّتي ترويمحطّات عدّة من مراحل حياتها يتشكّل من خلالها حضور الكاتبة بفكرها الباحث فيدواخل المرأة التّائقة إلى الحرّيّة، بعيداً عن القيود الاجتماعيّة والعائليّة.
تقوم الرّواية على البحث في مكنونات المرأة الفكريّة والنّفسيّة والجسديّةالّتي تعبّر عنها الكاتبة على لسان الشّخصيّة الرّئيسيّة مبتنية عالماً استقته منالواقع بتركيبة بسيطة تداخل فيها الواقع السّياسيّ الكائن ما بعد الثّورةالتّونسيّة، مع واقع (صونيا) المحاميّة الزّوجة والأم، وعلاقة صداقة أقرب إلى مايشبه الحبّ بصديق افتراضيّ. وتجتمع الأحداث وتتهيّأ الظّروف ليحتلّ هذا الصّديق(جمال) مساحة في حياة (صونيا) وتظلّ العلاقة افتراضيّة حتّى تصبح واقعيّة فتتقابلالشّخصيّتان، ويشكّل هذا اللّقاء ما يشبه الانتقال بالرّواية إلى أحداث أخرى تكشفعن تسليط الضّوء على التّسلّط الفكري تحت غطاء دينيّ.
-“ذاكرة الظّلّ”:
عنوان يحمل في عمقه الدّلاليّ معنى السّجن الّذي تحياه المرأة وسنراهمتجليّاً في الشّخصيّة الرّئيسيّة (صونيا) كما في شخصيّة الجدّة (حسناء). فكلتاهمامسجونتان في حقيقة الذّاكرة مع اختلاف الظّروف والاختبار الحياتيّ، إلّا أنّهما تجتمعانفي حضور الاستقلاليّة والانعزال والصّمت وحبّ التفرّد بالنّفس. “أحبّكثيراً هذه الجدّة الّتي لم تلد غير أمّي دون أن أدري ما الّذي يشدّني إليها شدّاًوثيقاً هكذا! أخفّة روحها أم نقاء سريرتها أم صلابتها أم هي دماؤها الّتي تجري فيعروقي. لم تكن تزورنا إلّا في مناسبات قليلة ونادرة حتّى أنّ أمّي كانت تلومهابشدّة على عزّة أقدامها وتدعوها باستمرار إليها ثمّ يئست واستسلمت لهوى الجدّةالّذي كان يدفعها للقدوم إلينا مرّة أو مرّتين في السّنة على الأكثر. وبمفعولالوراثة، مرّ إلينا حبّها للانعزال ونوعها إلى الوحدة والاستقلاليّة…”(ص 9-10)
الذّاكرة تحمل حقيقة الإنسان، فالماضي هو الصّديق الأمين الّذي يرافقالإنسان أينما حلّ. لكنّ الكاتبة تربط الذّاكرة بلفظة (الظّلّ) لتعبّر عن مرحلةظلاميّة مرّت بها (صونيا) محفورة في عمق ذاتها. ولعلّ الظّل مرادف ل(صونيا)كشخصيّة احتجبت عن نورها الحقيقيّ في لحظة انتقال من حياة عاديّة اختارتها بنفسها،إلى حياة أُجبرت على عيشها كما سنشهد في نهاية الرّواية (هل أنا حقّاً كلّ هذابعد أن شوّهوني وصنعوا منّي امرأة أخرى تنزف ذاكرتها بالأشلاء؟؟)(ص314)
– التّحرّر الأنثوي:
تسترسل الكاتبة فتحيّة بن فرج في وصف العالم الافتراضيّ الّذي شدّانتباهها، كما تمعن في وصف شخصيّة (جمال) الصّديق المغربيّ الافتراضيّ الّذي ستسبرأغواره (صونيا)، موعزة هذا الاهتمام بعالم التّواصل الاجتماعيّ أو مبرّرة إيّاهضمنيّاً بإهمال الزّوج لصونيا بحجة العمل السّياسيّ وخدمة الوطن، في مقدّمة الرّواية.(ماذا أقول يا جدّتي، ماذا عساي أقول، وقد بتّ أشعر بالوحدة في بيتي وبالغربة،إنّ وضعنا الجديد يخنقني كثيراً ويصيبني بالعفن، يخجلني، يحرجني، يشعرنيبالدّونيّة. ما لنا نحن والسّياسة؟ بماذا يمكن لمهندس معماريّ أن يفيدهم في مجالالسّياسة؟ (ص 14). كما تشير إليه فيمكان آخر من الرّواية وذلك خلال العلاقة القائمة بين صونيا وجمال (في الأثناءكان زوجي منغمساً في أعماله السّياسيّة الّتي لم يكن يكشف شيئاً عن تفاصيلها، يقضيأغلب الوقت في مكتبه يغادر البيت في موكب مهيب…) (ص 60)
تنشأ علاقة روحيّة أو كما تسمّيها الكاتبة على لسان صونيا ما هو بعيدعن حالة الحبّ (هذا ارتباط حميميّ بعيد عن الحبّ) (ص 51)، وكأنّي بها تنقذنفسها من مأزق المرأة المتزوّجة المقدمة على حبّ رجل آخر. في حين أنّنا نتلمّس منالحوارات القائمة بين صونيا وجمال، اتّصالاً روحيّاً يكشف للشّخصين معاً قربهماالرّوحيّ حدّ تعلّق الواحد بالآخر. لكنّ الأهمّ اقتناص ما بين السّطور من معانٍأرادت الكاتبة إيصالها عن حاجة المرأة الرّوحيّة لروح تتآلف معها وتتصادق وإيّاهابحريّة ملغية كلّ الحواجز والقيود. يظهر ذلك في هذا الجزء من الحوار:
(- حاذري ستملكين روحي الّتي لا أكاد أملكها.
– الأرواح يا صديقي لا تنتظر إشارة منّا كيتتحرّك وتلتحم، وما ضرّ لو أنّنا صرنا توأماً) (ص 54)
فهل المرأة فعلاّ بحاجة إلى هذا الاتّصال الرّوحيّ الحرّ الّذي يعبّرعن حرّيّة داخليّة تتوق إليها؟ أم هل نحن أمام كائن تحاكي روحه الكون الواسع وتسبحفيه باحثة عن ضالّتها، روحها التّوأم؟ وكأنّ هذا الاتّصال الرّوحي مرادف لحريّةالمرأة، وتسعى من خلاله إلى ولوج الكون بأسره والتّغلغل فيه والتّفلّت من الأسر.وما دمنا نتحدّث عن اتّصال روحيّ، فلسنا بصدد الفصل بين الجسد والرّوح، خاصّة أنّالكاتبة توظّف الجسد بشكل أو بآخر بين (جمال) و(صونيا)، دون الولوج في علاقةحميمة، وإنّما في ملامسات توحي بحاجة (صونيا) إلى تحقيق أنوثتها بحرّية.
(متعة لا يتذوّقها إلّا معتوه. كم مرّة فكّرتبشهوة أن أجرّب المتعة الّتي لا يدركها إلّا الّذين أصابهم الجنون) (ص 72). والمتعة تأتي فيسياق التّحرر الكيانيّ، كأن تخرج صونيا من ذاتها، وحضارتها، وثقافتها… لتلقىذاتها العميقة. (لقد كبّلتني قيود المجتمع وقيود الحضارة، وقيود الثّقافة،وقيود العادات، وقيود القانون الّذي درسته فاستعمر ذهني وكاد يخنقني.) (ص 73) ما نشهده واقعيّاًفي حياة المرأة من التزام قسريّ بالمجتمع والثّقافة والحضارة، ما يجعل منها كائناًمسجوناً في ذاته، منغمساً في الواقع حدّ الازدواجيّة. فالظّاهر يتناقض مع الدّاخل،والتزام ظاهري يتنافى والعمق الرّوحيّ والنّفسيّ الّذي يرجو كلّ لحظة التّخلّي عنكلّ شيء مقابل لحظة قرار حرّ.
لعلّ الكاتبة كانت خجولة في إبراز المشهد التّحرّريّ بقوّة، أو طرحهذا الفكر بجرأة أكبر، فالفكرة تضيع بين الحوارات الكثيرة بين (جمال) و(صونيا)، بلتشهد هذه الحوارات تعبيراً عن حرّيّة الرّجل مقابل حرّيّة المرأة وعلى القارئ أنيجتهد بعض الشّيء ليلمس بنفسه توق المرأة إلى الحرّيّة. ولعلّها ربطت حرّيّةالمرأة بالانطلاق نحو اللّامعقول مع رجل تعلّقت به بادئ ذي بدء افتراضيّاً حتّىحلّ اللقاء الواقعيّ. فحين يطلب (جمال) من (صونيا) أن تكون له وحده وترافقه دون أنتعلم الوجهة الّتي ستخلص إليها، تستسلم لطلبه كطفلة صغيرة، ما يعوزنا أن نسأل عنمدى الحرّيّة في هذا الهجوم على اللّامعقول. (بمجرّد أن تخطو خطوة واحدة نحواللّامعقول، تحسّ أنّ جناحين قد نبتا لك بزغب خفيف وكلّما أقدمت بشجاعة أكبر نحوالجنون والمغامرة استطال الجناحان أكثر ونما ريشهما فتجد في نفسك القدرة علىالتحليق عالياً.) (ص 237)./(ماذا سيحصل لوأنّني منحت يوماً واحداً وليلة واحدة لرجل تعلّقت به روحي وجعلته رفيقاً في رحلةمجنونة خارجة عن ترتيبات الدّفتر العائليّ؟) (ص 238)
– التّسلّط الفكري تحت غطاء دينيّ:
في حركة مفاجئة بعد سرد طويل كان بالإمكان تجنّب بعضه، تفاجئناالكاتبة بظهور ما يشبه عصابة تخطف صونيا وجمال، وتستبيح جسدها وتنتهك كرامتهامرّات ومرّات. وتجنّدها في مهام ظاهرها إنسانيّ، مستغلّة حضورها في أمكنة محدّدةلتنفيذ أهدافهم التّدميريّة. إلّا أنّ الكاتبة تسمّي هذه العصابة أو المجموعةبالتّنظيم. ولعلّها هذه المرّة أيضاً ابتعدت عن تسمية الأشياء بأسمائها، فالتّنظيمليس سوى توصيف للجماعات الإرهابيّة الّتي تهدّد مجتمعات ما بعد الثّورة تحت غطاءدينيّ والتي بلغت ما بلغته من سيطرة واستحكام على نطاق واسع، خاصّة أنّ الكاتبةتلمّح بالرّواية إليهم، في حديث مع أحد أعضاء هذا التّنظيم:
(ثمّ استجمع ثقة جديدة في نبرة صوته واسترسليحدّثني عن الظّلم والقدر والعقاب والجزاء والجنّة والنّار وعن المسار الجديدالّذي يهيّئني الله له بينما كنت تائهة في سحابة من الغمّ لا أهتمّ لثرثراتهالتّافهة وحججه المتضاربة ومنطقه الأرعن) (ص 287)
ترتحل صونيا قسراً عن ذاتها، وتغدو امرأة أخرى شكلاً ومضموناً؛ مسجونةفي جسد ليس لها، في ذاكرة هي الحقيقة الوحيدة في حياتها. (هذه أناي الجديدةالّتي كانت تسعد المجالس بحضورها وتزهر الطّرقات بمرورها صارت تثير غبار الأحزانوراءها) (ص 315). وهكذا أصبحت ذاكرةمن ظل مسطورة في رواية قد تجد فيها كثيراً من الضحايا ضحايا الإرهاب نفسها هنا.



