صورة المعلم المرشد في لغة العشق

ديسمبر 09, 2017
عدد المشاهدات 1730
عدد التعليقات 0
مادونا عسكر/ لبنان
صورة المعلم المرشد في لغة العشق
قراءة في نصّ “الحب أن…” للكاتب فراس حجمحمد
-النًصّ:
الحبّأن…
الحبّأن تأكُليني كما ينبغي لامرأة أن تأكل قطعة خبزٍ طريّة بعد جوع طويلْ
واشربينيمثل كأس نبيذ في عشائنا الأول
ذاكالعشاء الجديدْ
والبسيني مثل قطعة بحرية شفافة
واركبيني مثل موج ضارب للشاطئ
لا يملّ من التحدث في السّريرْ
واستعيديني كوعيٍ وجوديٍّ مثقلٍ بأفكارالسلام بعد حرب عنيفةْ!
يا امرأة من كلّ شيء استقبليني
مثل ضوء ومركب نهرٍ في امتداد جموحكالمستقيمْ
– القراءة:
في تقريب يسوعي ملائم بين الحالةالمسيطرة في نصّ الشّاعر فراس حج محمد والنَّفَس الإنجيلي نجح الشّاعر في سكب صورةعهد جديد تجلّى فيها العشق بصورته الجديدة، أي المتسامي والخارج عن الزّمانوالمكان. ويبدو للقارئ جليّاً ولوج الشّاعر في قلبالحقيقة العشقيّة متّخذاً دور المعلّم. (الحبّ أن…). وكأنّي به يتلو تعليماًجديداً خاصّاً يعبّر عن وهب الذّات الكلّيّة، تشير إليها الأفعال (تأكليني/اشربيني) الّتي تخرج عن إطار الغذاءالجسديّ لترتقي إلى مقام الهبة الكلّيّة للذّات.
(الحبّ/ الأكل/ قطعة خبز/ جوع طويل) مصطلحاتتكشف عن رابط وثيق أساسيّ بين الحبّ والحياة الجديدة. الخبز رمز الحياة، به نستمرونحيا جسديّاً، إلّا أنّه يتساوى في النّصّ مع الحبّ ما يمنحه تلك القيمةالحياتيّة الّتي تشير إلى هبة الذّات. وإن دلّ الجوع على أمر فهو يدلّ على إفراغالمحبوب من داخله حتّى يتاح للحبيب أن ينسكب بكلّه حتّى لا تبقى ذرّة كيانيّة واحدةخالية من الحبّ. يذكّرنا هذا الانسكاب/ الاتّحاد بقول الحلّاج:
يا كلّ كلّي يا سمعي ويا بصري
يا جملتي وتباعيضي وأجزائي
يا كلّ كلّي وكلّ الكلّ ملتبس
وكلّ كلّك ملبوس بمعنائي
في إشارة إلى امتزاج الحبيب بالمحبوبامتزاجاً كلّيّاً نهائيّاً. إلّا أنّ هذا الامتزاج مرّ باختبار حقيقيّ حتّى بلغمقامه، وهو رحلة الجوع الطّويل، انتظار الحبّ/ الحياة. (الحبّ أن تأكُليني كماينبغي لامرأة أن تأكل قطعة خبزٍ طريّة بعد جوع طويلْ). لا بدّ من الإشارة إلى أنّالشّاعر يعلّم أصول الحبّ الكوني مبشّراً به عبر المرأة الشّخص، (كما ينبغيلامرأة). فهو لا يخاطب أنثى بعينها وإنّما المرأة. ما يمنح النّصّ قيمة أرفع وأبهىويعلي الشّاعر رتبة المعلّم والمرشد. ولا ريب أنّ دلالة النّبيذ تتّجه في ذاتالمنحى (واشربيني مثل كأس نبيذ في عشائنا الأول)لتؤكّد معنى الهبّة الذّاتيّة والاتّحاد الكيانيّ.
العشاء الأوّل هو العشاء الجديد، وكأنّي بالشّاعر ولجعهداً جديداً عشقيّاً، فهو العشاء الأوّل الجديد الّذي يأخذ بعداً سماويّاًعلويّاً في سماء جديدة وأرض جديدة. فما بعد الاتّحاد العشقيّ أصبح كلّ شيء جديداًمن جهة الرّؤية والممارسة. (والبسيني مثل قطعة بحريةشفافة)، كدعوة لخلع اللّباس القديموالاصطباغ بالجديد، كحالة ولادة عشقيّة جديدة تؤسّس لوعي وجوديّ جديد ولحياةأبديّة. (واستعيديني كوعيٍ وجوديٍّ مثقلٍبأفكار السّلام بعد حرب عنيفةْ!). وما الحرب العنيفة إلّا دلالة اختبار الاحتراق العشقي في سبيلبلوغ مقام العشق العلويّ الكونيّ المستقيم الكامل:
يا امرأة من كلّ شيءاستقبليني
مثل ضوء ومركب نهرٍ في امتداد جموحكالمستقيمْ



