ادب وثقافة

عازف القيثار المبتور “عم جرجس”

فبراير 04, 2018
عدد المشاهدات 1318
عدد التعليقات 0
عازف القيثار المبتور
                                              “عم جرجس”
 
جلس يهودا وشمعون ونوعام يتهامسون بأسمائهم المستعارة وهىإسلام وصلاح و محمد ,جلسوا على مرأى من الناس بلحاهم الطويلة و جلابيبهم الناصعة البياضورائحتهم العطرة بالمسك وأسنانهم التى لا يفارقها المسواك, بينما يُخبّئ أحدهم سيفاًبتّاراً تحت ثيابه, يتهامسون لحين وصول الهدف ,لحين وصول عم جرجس عازف القيثار .
يتفاخرون بإنجازاتهم التى اخترقتْ الآفاق ,من تدمير للكنائسوإثارة الفتن الطائفية,ونثر بذور الثورة لدى الشعوب تحت مظلة الديمقراطية والعدالةالإجتماعية أو حتى تحريك غرائز الخلافة الإسلامية القديمة لدى الإسلاميين للخروج علىالحكّام.
كما يتفاخرون كيف أصبحوا أعضاءً بارزين فى المنظمة الماسونيةالقذرة.
أصمتهم كبيرهم لأنه رأى عم جرجس آتياً من بعيد فأمرهم بالاستعدادللمَهمّة.
ها هو مقبل من بعيد بقيثارته,حتى إذا مرَّ بجانبهم إنقضواثلاثتهم عليه وقالوا له الموسيقى حرام يا كافر يا مسيحى يا كلب ,وأمسك أحدهم إحدى يديهوالثانى بالأخرى ووضعاها على الأرض وأفرداها ثم قام الثالث بإخراج السيف وبترَ أصابعهولملمها فى جيبه,ثم كسّرالقيثار وولوْا هاربين فى سيارة كانت تنتظرهم,حتى إذا اختفواعن الأنظار خلعوا ملابسهم ولحاههم المستعارة وفجّروا السيارة.
صرخ عم جرجس ألماً,ولم يرَ هو هو منظر يديه أبشع من القيثارالمهشم .
فما السرّ وراء ذلك القيثار!!!
إجتمع الناس حوله محوْلقين حانقين,يرمون اللعنة على أولئكالشباب الذين بتروه ,وعلى الذين غرّروا بهم.
وهمّوا بحمله إلى أقرب مستشفى ,ولكنه طلب منهم أن يسندوهإلى مستشفاه التى يأتيها منذ 10 سنين,مستشفى الأمراض النفسية بمدينة ال (….) .
فاستقبلته طوارئ المستشفى وعلى رأسهم مدير المستشفى إسلاممحمد عبد النبي صديقه الأعلى.
وبعد إسعافه أرقده الدكتورإسلام على أحد اسرّة المستشفى وسألهعما حدث.
 
قصّ له عم جرجس ما حدث بالضبط .
فردّ الدكتور مُحلّلاً..
يا جرجس هؤلاء منظمة إرهابية ,وعلى الأغلب ثيابهم ومساوكيهمتلك عدة عمل .
ولحاهم مستعارة ,وعلى الأغلب يستخدمون أسماءً مستعارةً  .
واستخدموا سيفاً أشبه بسيف على بن أبى طالب ليلصقوا الحادثةبالمذهب الإسلامى الشيعى وهم يعلمون ان بلدنا مذهبها سنّى والقليل شيعى , فيُحْدِثواالفتنة بين المسلمين والنصارى من جهة ويؤجّجوا الصراع بين المذهبين الشيعى والسنى تارةأخرى,وهكذا ضربوا عصفورين بحجر واحد.
وقد بتروها أمام الناس ليصف شهود العيان الحادثة كما رأوهافتلتصق بالتيار الإسلامى الشيعى.
كما أنهم يراقبونك منذ زمن ويعلمون الدور الحيوي لك فى علاجالمرضى النفسيين فى مستشفتى,فكمْ أرسلتْ قيثارتكَ عزفاً كان أوقع أثراً من كبار أساتذةعلماء النفس , وأوقع أثراً من كثير من الأدوية المستوردة باهظة الثمن.
ولمْ يدَعوا لك الأصابع المبتورة لعلمهم بوجود عملية تعيدالأصابع مكانها بالزرع فى 12 ساعة ,وبالتالى ينقل الخبراء وحشية الإسلاميين وكراهيةالشيعة.
 
جرجس :إطمئنْ فزراعة الأصابع المبتورة أصبح سهلاً .
هناك تقنية أسمها تقنية اليزاروف تعتمد على تركيب أسياخ معدنيةفى جذور الإصبع المبتور, كما أن هناك عقارٌ جديد فى حقل التجارب يتيح إعادة نمو الأصابعالمبتورة.
وللأسف أخذوا الأصابع معهم ولم يمنحوك استخدام الوسيلة الآمنةلاستعادة أصابعك عن طريق الزرع الفورى لها.
ورائد هذه التقنية أسمه أندرياس أيزينشنيك سكرتير جمعية جراحاتاليد الألمانية, غير أن أى جراح يستطيع زراعتها بتقنية هذا الرجل الفذ.
نهض جرجس من فراشه وقال لن يفلحوا أبداً فى تفكيك وحدتناالوطنية فنحن أبناء وطن واحد نعمل معاً فى سِلْم وأمان لننهض ببلدنا, لن يفلحوا .
ثم اتجه الى الباب فاتحاً درفته بكفِّ يده المبتورة  وقال :
 
دكتور : لن أكلف الكنيسة أو المستشفى أو الناس أى تكاليفمادية ,كما أنى لا أريد لغيري أن يتحمل عبئى,يكفينى عملية زرع بسيطة وسأبيع أثاث المنزللدفع نفقات العملية , ولن أترك مرضاكَ ولو قطعوا رأسي..
عن إذنك يا دكتور ….
 
مرتْ عدة أيام والمرضى ازداتْ حالتهم سوءً فى مستشفى الدكتورإسلام,فهم لم يعلموا بما حدث له بالطبع ,ولكن مشاعر نفوسهم تُحدّثُهم بالوحشة والخوف.
هم لم يسألوا عنه لأنهم لا يدركون ,لكنهم متأثرون بغيابهفحالتهم أشبه بحالة الطفل الذى غاب عنه والداه؟
رأى إسلام صاحبه دالفاً باب المستشفى وحاملاً قيثارته ومهرولاً,فترك إسلام الشرفة التى كان ينظر منها على معالم مصحّته وأسرع متجهاً إلى باب الدخول,
إحتضنه ولم يمهلْه جرجس العازف الوقت لسؤاله عن حاله وعنيده .
قال له على الفورودقات قلبه تتسارع,أدخلنى يا إسلام على أصدقائى.
قال إسلام حاضر حاضر هوّن على نفسك ..
دخل جرجس العنبر واستقبلهم بالأحضان وبسؤالهم عن أحوالهمفردأ فرداً وخاصة المريض أبو بكر .
 
جلس على كرسيه والقيثارة معه كالمعتاد ,والتفّوا حوله فىفرح وشغف أكثر من ذى قبل.
أخذ أهبة الإستعداد واضعاً بنانه الصناعى على الأوتار داعياًبترديد وراءه إفتتاحية الأُرجوزة.
 
                                       يا صاحبىأُرجز لنا أُرجوزة
                                       أضحكْ ضحوكالنفس فى جِنانها
                                       أضحكْ تريالآمال تأتي بَذْرها
                                       أرقصْ معالطيور في أسرابها
                                       غنّىْ نشيدالطير فى أوكارها
                                       أنرْ شموعالشمس فى مِحرابها
                                       إكسرْ سيوفالظلم من أغمادها
 
 
أضحكْ أرقصْ أضحك أرقصْ غنّى ….
 
إندمج جرجس فى الغناء حتى النشوة,وتعالى صوت أوتار القيثار,كما تعالتْ صيحاته بعبارات إكسرْ ,اضحكْ , غنّى ,أرقصْ.
إستمر الضغط على الأوتار وبدأتْ أصابعه الصناعية تتخلخل منمكانها فهى متماسكة فى قطعة واحدة .تخلخلتْ دون أن يشعر حتى وقعتْ على الأرض .
نهض الدكتور إسلام من كرسيه متخوفاً حِذراً وجِلاً من شكلالأصبع الذى قد يحبط مرضاه .
ولم يشعر جرجس بذلك وإنما وجد أن العزف توقف ,نظر إلى يدهفرأى المشهد فاستغاث مسرعاً بكفِّ يده ليعزف ولكن دون جدوى.
أمسك أحد المرضى الأصابع الصناعية وقال صوابع عمو جرجس وقعتْلوحدها , هرع إليه الدكتور إسلام وخطفها من يده , وانهمرتْ دموع جرجس من تفاعل المريضعلى جهاز تركيب الأصابع.
ثم صاح مصفّرا بشفتيه تارة وبالغناء تارة ..
صفير ..غنى .. صفير .. أرقص … صفير .. أكسر سيوف ال ..
غنى .. أرقص .. أضحك .. أضحك .
والمرضى فى صمت لا يرددون ورائه ,ناظرين إليه بعجب ودهشةأو خوف وحزن.
حتى قام كبيرهم وأسمه أبو بكر عمر وكان أُستاذا للعلوم السياسيةفى إحدى الجامعات العربية.
قام متجهاً إلى عم جرجس وقال له أرنى يدك يا عم جرجس فلميجبه وظل واجماً فخطفها عِنوة ورفع كُمَّ الجلباب فوجد يده الأخيرة مقطوعة البنان, فكَّر قليلاً وأدرك ان غيابه طوال هذه الأيام كانتْ بسبب يديه.
قال: من فعل بك ذلك يا عم جرجس ؟
ظل واجماً وناداه الدكتور إسلام بأن يرجع ويعود كل فرد إلىسريره .
فقال أبو بكر :
أتريد يا دكتور ان تخدّرنى كما خُدرتْ عروبتنا …
وعلم أبو بكر ما حدث لجرجس فتأثر ونظر إلى الدكتور إسلامومشيراً بيده إلى أصحابه المرضى قائلاً
أنظرْ الى هؤلاء يا دكتور
أمْرضهم الفقر والظلم حتى طغيا على عقولهم وقلوبهم فتاهوافى دروب الحياة حتى لم يجدوا إلا درباً واحدة هو هنا هنا إما بالظلم والزجّ مثلى وإماالفقر وإما التعذيب فى معتقلات الطغاة.
دولة واحدة هى إسرائيل تحرق العالم كله ,بؤرة الصراع لم تكنفى فلسطين فقط يا دكتور بل القضية برمتها إجتاحتْ عروش حكامنا ,فتسابقوا لإرضاء حليفتهاأمريكا ,تسابقوا رغبة فى بقاء عروشهم ورهبة من انقلابات شعوبية داخلية عليهم أو غزوهمتحت مظلة وجود نووى كما حدث فى العراق أو ترعى الارهاب كما حدث فى أفغانستان .
سقوط البلاد العربية وانهيارها واحدة تلو الاخرى اثّر علىالعالم العربي كله وعلى اقتصادها مما انعكس على حياة الفرد ونفسيته.
خصخصة الشركات التى ألقتْ بالعمال فى الشوارع لصالح من ؟
الثورات الأجنبية نجحتْ فى نزع الملكية الفردية فى ظل الإشتراكيةوالديمقراطية والشيوعية  فرفعتْ من شأن الفردونحن نبيع, نحن نبيع ..هم أخذوا للفقراء من الأغنياء ونحن نأخذ من الفقراء ونعطى الاغنياء.
بثتْ الماسونية التى قطعتْ يد عم جرجس وغيرها من المنظماتأفكار عودة الخلافة الإسلامية وتكفير الحكام ليثيروا الشعوب عليهم فتنقسم الأُمة ,قامتْ ثورات الربيع العربي تحت مظلة التيارات الإسلامية وبدون خطوات محسوبة تصادمتْالشعوب بالأنظمة,
فحدث الانهيار فى مصر وسوريا واليمن وليبيا وتصدرت عدوى الثوراتإلى باقى الدول العربية.
تم ايقاظ الفتن النائمة ، واستثيرت مشاعرالشعوب ، وتم التلاعببعواطفهم ، والعزف على أوتار غرائزهم.
والحل
الديمقراطيةو الشرعية التى تستمد عبر صناديق الاقتراع وليسعبر فوهات البنادق.
هو ده دواء أولئك المساكين يا دكتور , والأن تأتى الماسونيةلتقطع لمحات الأمل التى تنبثق من أصابع جرجس …
ومَنْ أدخل أُولئك عندنا إلا ضعفنا الذى امتد يسرى فى عظامنافنخر فيها كما ينخر السوس.
عندك ده يا دكتور !!!!!!!!!!!!!!!!!! هو ده الدواء لهم.
ثم انتبه أبو بكر إلى المرضى وأخذ يحرّك باطن كفّيه رفعاًوخفضاً مردداً أُرجوزة عم جرجس ومستنهضاً المرضى فى الترديد ورائه
 
غنى ارقصْ أضحكْ أسقى اكسر ….
أضحك قهقه علّى علّى علّى الضحكة …أضحكْ .. أضحكْ … أضحكْ.
 
****************

قص : إبراهيم امين مؤمن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى