راعية وصوت مزمار رخيم

نوفمبر 20, 2017
عدد المشاهدات 2365
عدد التعليقات 0
راعية
وصوت مزمار رخيم
إيناس ثابت
كانت تراقب إشراقة الشمس، تنشرنورها وبهجتها على كوخها الريفي الصغير. تتسلل أشعتها الذهبية المتناثرة بخفةالنور عبر نافذة صغيرة، تفضي إلى فناء واسع وفضاء بلا حدود. والشمس تضفر شعرهابلون السنابل وتلف جدائلها حول جيدها، وتكحل عينيها بنور خالق الكون البديع. ضوءهاالبرتقالي الخجول يغمر وجهها الهادئ الصبيح، ويسطع على جبينها وأجنحة قلبهاالمشرعة للريح، فيتسرب إلى كيانها نور يضيء ما خبا في أعماقها لتخضر روحهاوتبتهج أيامها وتينع أشجار روحها بالربيع. تمد بصرها إلى الأفق البعيد والشمس تجريلمستقرها، تمجد خالق الكون الفسيح، وألق الحب يمجد الرب ذا العرشالعظيم.
بسعادة وثقة وأمان؛ تسوقأغنامها إلى المراعى والحقول، لا ترافقها إلا عصاً في يدها تهش بها القطيع، دون مايشغلها عن القطيع كل هموم الدنيا وصعوبة سائر الأمور. ترعى أغنامها في البراريوالحقول، والراعية راضية بقسمتها، وما جادت به الأرض الطيبة من خيرات لمواشيها الوديعة،وما وجدته من كلأ للقطيع، فلا تعتدي نعجة على أختها ، فتشكر الصبية ربَّها وما وما أنعم به على الأرض وساكنيها الطيبين.
يجول بصرها في الأفق كأنهصفحات كتاب ساحر الألوان، أو معرض فني زاخر بالفتنة ولوحات أخاذة، رسمتها يدالخالق رب السماوات والأرض. مناظر زاهية الألوان ترق لها القلوب وتخشع أمامهاالعيون. الطبيعة مرآة مصقولة تعكس ما في النفس من عظمة وإبداع .. صورة عن جنة تفتحبابها لأولي الألباب من المتأملين المتنورين، تلجها النفس المتعبة فتجلو عنهاأوصابها، وما علق بها من التعب والهموم. تستقبل يومها بذراعين مفتوحتين كأميرةعذراء تسربت حكايتها من عمق الأساطير.
ما جادت به يد الرب؛ تفوق هندسةوعبقرية بشر خلقوا من ماء وطين مهين. ابتسامة المراعي والحقول الواسعة وما حوته منتلال وروابي ، وما جادت به الأشجار من مختلف الثمار، ووديان وسهول وجنان وبساتين،وأوراق مصفوفة بدقة على الأغصان، تستر وجه الثمار من كل صنف وطعم ولون، وقطرات ندىكأنها نعمة الزهور عند الصباح.
زهور رقيقة فواحة الروائح أرجوانيةالثغور، تسكب عطرها مع هبات النسيم في كل ناحية وصوب. وارتعاش سحب تغازل قممالجبال، وتفوق في ارتفاعها ما شيدته يد الإنسان من قصور ومعابد عالية تكاد تلامس الغمام، وطيور الفضاء ووحوش البراري، والماء سر الحياة يروي ظمأالكائنات تنوله الشفاه يسرا بلا مشقة أو تعب، يجري من الينابيعٍ ويتحولإلى ساقية ونهر وغدير، والسماء تكحل عينها على مدى بساط الطبيعة الأخضر في الأفق البعيد.
تتغذى روحها من حسن الطبيعة،وتغرق في دافئات الأماني بما أنعم به خالق الأكوان من الصنع البديع. يضحكقلبها لريح الصبا، ويهمس الأمل في سمعها أغنية تحفزها على حياة وأمل يتجدد فيالنفوس. تمر أمامها صور أخرى فتنشي قلبها وفكرها؛ وعند الغروب تعود أدراجهابالقطيع، تستقبل في قلبها رسائل حب وسلام، لايراها إلا أصحاب القلوب المؤمنة بقدرةالنفوس الطاهرة على الحب العظيم. لكأنها تعب في خاتمة نهارها كأسا من خمر تنشيروحها، لتتحد مع الكون وتعزف معه لحن مزمار رخيم، ولسانها لا يتوقف عن الصلاةودعاء إلى الله لكي يبارك قطيعها ونعاجها البيضاء، ويجود عليها بالخضرة والربيع.



