كتاب عدن

مشاهد شامية تقترب من أطفال عدن

أبريل 14, 2015
عدد المشاهدات 622
عدد التعليقات 0
مشاهد شامية تقترب من أطفال عدن

احمد عبداللاه

ثلاثة مشاهد عالقة في البال وكل منها يكمل مأساة الاخر. أما أبطال المشاهد تلك فليسوا سوى طفلتين من الشام وامرأة فلسطينية عجوز من مخيم اليرموك في دمشق (عاصمة الشتات الفلسطيني).

الفتاتان هما.. بائعة العلكة، في شوارع عمّان، ذات العينين الممتلئتين بتلميحات البكاء والابتسام في آن واحد، والفتاة السورية الأخرى ذات الخمسة الأعوام في أحد مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا، وهي ترفع يديها مستسلمة للكاميرا، ظناً منها أنها سلاح وفي وجهها خوف وصبر، وهي تزم شفتيها لتضغط على موجة بكاء كادت تندلع لولا ثباتها، بعد أن تعودت على مشاهد اكسبتها مناعة من الحزن. 

أما الامرأة العجوز الفلسطينية في مخيم اليرموك في دمشق وبعد هجوم تنظيم «داعش» على المخيم واستمرار براميل النظام وهي تتساقط على الاحياء والأموات، أي جحيمين على رؤوس اللاجئين، فقد فاض بها الكيل بعد أن أصبحت عديمة الحيلة وعاجزة عن التشبث بالحياة مع زوجها المريض المتعب، فصاحت..»خذونا عند اليهود فهم أرحم»، في لحظة يأس وقنوط دفعتها الى أن تتلمس فروقاً بين موتَين غير منقوصين أحدهما وشيك بيدٍ أخوية والآخر مؤجّل بيدٍ يهودية. 

للقارئ أن يتخيل الخوف في عيون امرأة عجوز مسلوبة الأمل في أن تقضي ما تبقى من أيامها بسلام وطمأنينة، وكل شيء من حولها يحترق، أن يتخيل تلك المرأة أو غيرها بأن تستنجد حتى بأعدائها، إذ لم يعد لـ»وامعتصماه»من معنى أو أثر بعد ان انتحر المعتصم العربي المسلم وتشظى إلى بواريد وجبهات وطوائف تقتل بعضها بعضا. 

واليوم نشاهد عن قرب بعد أن اقترب المشهد الدموي من عدن، حاضرة الجنوب في أرض اليمن العتيقة، والأسلحة بكل جبروتها تقصف البيوت العزلاء المفعمة بذكريات أزمنة الصفاء والحب والموسيقى والمدينة الحقيقية، التي مرت من أمامها لتنبعث على أنقاضها وجوه من المقاتلين وطائفة تبحث عن طائفة لتقتلها في عدن، المدينة المسالمة إن لم تكن هناك لافترضوا وجودها، فالحرب أصبحت مهنة المتحاربين من دون هدف منطقي، ولم تعد وسيلة لإنتاج مشهد سياسي مغاير لما قبله بسبب طبيعتها التدميرية.. اليمن لديه من الأزمات المركبة العميقة ما يكفي لإنتاج كثير من المآسي والمشردين، إذا لم يتم حسم الأمور بشكل سريع، ووضع حلول سياسية جذرية لكل أزماته شمالاً وجنوباً، وإعادة النظر في أمور كثيرة، فقد تم إهماله فترات طويلة ولم يدرك أحد حجم التعقيدات المتنامية فيه، ولم يعد ينفع معه الحوارات المسكّنة والحلول السريعة. اليمن الذي أصبح الجنوب منه ساحات حرب شرسة، ويسير نحو الانهيار، لديه مخزون بشري كبير، ولا أحد من الجيران يقوى على تحمل نزوح جزء أو أجزاء منه، ولن تستطيع الكاميرات أن تدور في المخيمات لتكتشف النسخة العدنية من بائعة العلكة، أو تلك التي تستسلم للكاميرا، لأن الاطفال لن يجدوا وطنا بديلا مؤقتا، فالخليج أمامه محصّن تماماً والصومال خلف البحر له حكايات أكثر بؤساً. 

الحروب توغلت الى قعر الوعاء الذي تحصنت بداخله ثقافات وتراث وترسبت تراكمات من القناعات السياسية، لتنتزع الكثير من الجذور وتغير كثيرا من الثوابت المكتسبة في الوعي السياسي العربي، ومعه ستتغير التوجهات القادمة، ولا أحد يمتلك القدرة على استجلاء محصلات الحروب العربية الكبيرة بشكل واضح أو ما ستسفر عنها. 

هل سيكون هناك أمل ما بأن تبقى الأمة العربية أمة واقفة وستنطلق من على ركام الحرب لتبدأ بشكل مختلف كما فعلت اوروبا بعد منتصف القرن الماضي.. أم أنها تتعثر لتدور حول بؤر الحروب الى ما شاء الرحمن، ومن حولها تنمو قوى اقليمية عظمى في طهران وأنقرة وتل ابيب، ويبقى العرب تابعين واتباعا في دورة تاريخية جديدة؟ 

كل شيء ممكن.
٭ نقلا عن القدس العربي

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى