كتاب عدن

ترامب القادم ” الانتهازي ” للشرق الاوسط …

ديسمبر 12, 2016
عدد المشاهدات 647
عدد التعليقات 0
ترامب القادم ” الانتهازي ” للشرق الاوسط … هل سيحوّل المنطقة الى موجٍ عالٍ يبتلع الكثير و الولايات المتحدة فيمن سيبتلع  ؟!

عبدالوهاب الشرفي

” من دخل الشرق الاوسط لابد ان يغرق فيه ” ..  هذه العبارة –  أو نحوها –  قالها ترامب عند حديثه عن الشرق الاوسط في إحدى لقاءته الصحفيه أثناء حملته الانتخابية ، و هي عبارة صادقة بقدر كبير ، لكن ما قد يتصوره البعض من خلال هذه العبارة من احتمال أن يعمل ترامب على إنهاء او تقليص دور الولايات المتحدة في الشرق الاوسط هو أمر مستبعد، فأمريكا قد دخلت الشرق الاوسط منذ أمد طويل ولابد أن تغرق فيه إذا استمرت في  السير بذات السياسة المتبعة أو تم استبدالها بسياسات اكثر سلبية ، كما لا يمكنها الانسحاب وترك الشرق الاوسط يغرق في مشاكله وان كان بامكانها النجاة من الغرق فيه  بتبنى سياسات بناءة ترمم بها ما افسدته .
مفهوم الأمن القومي الامريكي هو ما يحدد سياسات الإدارة الأمريكية  الخارجية ،  فأينما وجد تهديد أو وجد طموح  للامن القومي الامريكي لا بد للسياسة الامريكية من الحضور في ذات المكان ، وهذا الامر متعلق بالسياسة الخارجية الامريكية في العالم بأسره وليس في الشرق الاوسط وحسب  ولكن يضل الشرق الاوسط هو الشاغل الاكبر للإدارة الأمريكية ، وهذا الامر يمكن ادراكه بسهوله من خلال أداء الدبلوماسية الأمريكية التي عادة ماينشغل رجلها الاول ” وزير الخارجية ” بملفات الشرق الاوسط او ملفات ذات صله به بينما يترك باقي الملفات الخارجية الامريكية – في الغالب – للمستوى الادنى في الدبلوماسية الامريكية والذي يديرها بسلاسه لدرجة أن بعضها لا يلفت الانظار اليه مطلقا .
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا ‘ ماهو العنصر الذي يتواجد في منطقة الشرق الاوسط و يترتب عليه هذا الانشغال الأكبر للدبلوماسية الأمريكية بالمنطقة ، ونحن هنا نتحدث عن المبالغة في حضور الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الاوسط وليس الحضور بحد ذاته ، فحضور الولايات المتحدة لرعاية مصالحها في الشرق الاوسط هو امر واضح تماما كما هو حضورها لرعاية مصالحها في العالم بأسره ، واذا اخذنا في الاعتبار المصالح الاكثر حيوية  لها في المنطقة كالنفط والممرات المائية مثلا فسيفسر لنا ذلك  قدر من ارتفاع مستوى حضورها  في منطقة الشرق الاوسط عن غيرها من المناطق في العالم ،  ومع ذلك يضل حضورها المرتفع جدا في منطقة الشرق الاوسط امر  يحتاج الى تفسير يجاوز مسئلة المصالح او المصالح الاكثر حيوية .
الاجابة على هذا التساؤل هو ان الكيان الصهيوني هو العنصر الذي يتواجد في منطقة الشرق الاوسط و الذي يترتب  على وجوده فيها هذا القدر المرتفع جدا  من الحضور و الإنشغال الدبلوماسي الامريكي  بالمنطقة ، فأمن هذا الكيان هو أحد أهم تفاصيل العملية السياسية في الولايات المتحدة برمتها ،  فلا طريق للبيت الابيض الا مرورا بالتعهد العلني بأمن هذا الكيان و لا استمرار في البيت الابيض مع التخلي عنه .
بين الالتزام بأمن الكيان الصهيوني و بين التخلي عنه يقوم هامش المناورة او هامش التغيير المتاح امام الإدارات الامريكية عند تعاقبها ، وفي حدود هذا الهامش ترسم الإدارة الأمريكية مفهومها للأمن القومي الأمريكي  فيما بين إعتبار أمن الكيان الصهيوني جزء لا يتجزء من الأمن القومي الأمريكي  او اعتباره أمن ” لدولة اخرى ” هي الحليف الاول للولايات المتحدة الامريكية   .
كثيرة هي التصريحات التي أطلقها ترامب حول الشرق الاوسط اثناء الترويج لنفسه في سباقه الرئاسي ،  فقد تحدث عن حرب جادة وقوية على الإرهاب في سوريا والعراق ، و عن عدم تحمسه لرحيل الرئيس الاسد ، و عن عدم رضاه عن الاتفاق النووي الايراني ، و عن عدائية و انتهازية عالية تجاه الخليج العربي و السعودية تحديدا  ، وعن الاستهداف المباشر للصين . كما تحدث ايضا عن الكيان الصهيوني بحديث واضح تجاه كثير من  القضايا المتعلقة به ،  فهو مع ” يهودية الكيان الصهيوني ” ،  و سيعترف بالقدس عاصمة له ،  ولا يعارض سياسته الإستيطانية التوسعية  ، كما لا سقف لديه للدعم الذي يجب ان تقدمه الولايات المتحدة لهذا الكيان  .
حديث ترامب عن القضايا ذات الصلة بالكيان الصهيوني تجعلنا نرجح بان إدارته ستتعامل مع مفهوم الأمن القومي الأمريكي بأعتبار أمن الكيان الصهيوني جزء من الامن الامريكي  وليس أمنا لحليف للولايات المتحدة وحسب ، و يمكن ادراك اثر الفرق بين هذين المفهومينّ للأمن القومي الامريكي على السياسات الخارجية الامريكية من خلال الاتفاق النووي الإيراني ،  فادارة اوباما تعاملت مع أمن الكيان الصهيوني باعتباره أمن لحليف و بذلك عملت على أن تضمن امنه من خلال ضمان  عدم امتلاك إيران للسلاح النووي ولابأس من إستفادة إيران من حقها القانوني في الإستخدام السلمي للطاقة النووية ،  وهذا الإطار العام للاتفاق النووي الذي وقعته ادارة اوباما مع إيران بينما التوجهات المتوقعة لترامب وإدارته القادمة ستنطلق من العمل على تقويض هذا الاتفاق النووي الذي ترى انه ” يضع ايران على طريق الحصول على السلاح النووي ”  وهذه هي ترجمه لمفهوم الأمن القومي الامريكي الذي سيعتبر أمن الكيان الصهيوني جزء من أمن الولايات المتحدة الامريكية و سيترتب على ذلك فرض العديد من القوانين واتباع عدد من السياسات بهدف التضييق على ايران واعاقة الاستفادة من حقها القانوني في الاستخدام السلمي للطاقة النووية  .
حديث ترامب عن عدم الإهتمام برحيل الاسد من عدمه ، و العدائية والإنتهازية تجاه حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة  ، و التبشير بالحرب الجادة ضد الإرهاب التي تصل الى التغاضي عن حالة المنافسه على الهيمنة فيما بين الشرق والغرب ،  و حديثه عن الاستهداف المباشر للصين ‘  جميعها توحي بان ترامب سيسير في طريق معاكس مع مفهوم الامن القومي الامريكي الذي يعتبر أمن الكيان الصهيوني جزء منه  ، ولابد ان يقوم هنا تساؤل ‘ كيف يتم ترجيح  ان هذا المفهوم للامن القومي الامريكي هو ما ستتبناه ادارة ترامب مع كل هذه المخالفة  التي وردت في تصريحات ترامب نفسه لهذا المفهوم   ؟!! .
الاجابة هنا تكمن في طبيعة كل نوع من تصريحات ترامب ، فتصريحاته  عن القضايا ذات العلاقة بالكيان الصهيوني بطبيعتها هي المهيمن على باقي تصريحاته  المتعلقة بملفات الشرق الاوسط كون تلك الملفات  هي من متعلقات  الترتيب  لأمن الكيان الصهيوني في المنطقة ابتداء ،  اي ان قضايا منطقة الشرق الاوسط التي تحدث عنها ترامب ليست قضايا مستقلة بذاتها بل هي قضايا ذات ارتباط وثيق بأمن الكيان الصهيوني  و بالتالي فما سيحكم موقف الولايات المتحدة من هذه القضايا هو موقف الولايات المتحدة من أمن الكيان الصهيوني .
  تصريحات ترامب القوية تجاه القضايا المتعلقة بالكيان الصهيوني و توجه  الكونجرس الجمهوري  الذي مرر حتى الان قانونين للعقوبات ضد إيران بما يصاحب ذلك من  تهديد للاتفاق النووي  الذي خرج الى الوجود نتيجة مفهوم الأمن القومي الامريكي لإدارة الرئيس أوباما تجعلنا نرجح ان مفهوم الامن القومي الامريكي في عهد ترامب لن يكون هو ذاته في عهد اوباما وان امن الكيان الصهيوني سيحسب جزء من الامن القومي الامريكي وخصوصا عندما يصبح رئيس الولايات المتحدة جمهوري متطرف يضاف الى كونجرس جمهوري ايضا .
هذا الترجيح لمفهوم الأمن القومي الامريكي لمرحلة ترامب متعلق بهامش المناورة فيما يتعلق بأمن الكيان الصهيوني ، ومع تناقضه الواضح مع تصريحات ترامب في العديد من قضايا الشرق الاوسط الظاهر للوهلة الاولى إلا ان التعمق أكثر سيعطينا صورة أخرى هي ان ترامب لم يكن يناقض المفهوم المرجح للأمن القومي الامريكي المتضمن أمن الكيان الصهيوني وإنما كان يعبر عن هامش مناورة أخر متعلق بالسياسات الامريكية التي ستنتهج تجاه القضايا في منطقة الشرق الاوسط وليس متعلق بمبدأ  تضمين أمن الكيان الصهيوني في أمن الولايات المتحدة الأمريكية  القومي .
شخصية ترامب كرجل أعمال ناجح يجيد إستثمار الفرص لتحقيق الربح مع التقليل من التكاليف هي التي يمكن من خلالها فهم طبيعة تصريحاته تجاه منطقة الشرق الاوسط مع التوفيق بينها وبين المفهوم المرجح للأمن القومي الأمريكي لإدارته ، فتصريحه ” أن من يدخل منطقة الشرق الأوسط لابد أن يغرق فيها ” لم يكن يعني الخروج منها وتركها لعواملها المحلية والإقليمية لإدارة ملفاتها بنفسها بعيدا عن التدخل الامريكي – فذلك كما سبق لن يكون رغبة ترامب حتما في ضوء مفهومه للأمن القومي الأمريكي المرجّح  السالف الذكر ، كما انه لا امكانية للخروج في ضل التعقيدات الكبيرة المتعلقة بالوجود الامريكي منذ عقود في ملفات المنطقة –  وإنما كان يعبر عن تغيير في سياسات التدخل في المنطقه و بسياسات ستنطلق من ذهنية رجل الأعمال الساعي لتحقيق الربح  مع جعل التكلفة في ادنى حد ممكن  .
هذا الامر كان واضحا في تصورات ترامب للحلول وفي تعليقاته بخصوص إدارة ملفات الشرق الاوسط والتي لا تعكس تخليا عن الأهداف في المنطقة وإنما تعني سياسات مختلفة للوصول لنفس الأهداف ، ولعل  أهم ما تتسم به هذه السياسات في ضوء تصورات و تعليقات ترامب هو ”  الإنتهازية والإبتزاز  ”  بهدف إعادة توزيع التكلفه التي تتحملها الولايات المتحدة نتيجه تدخلها في الشرق الاوسط   على اللاعبين الأخرين ما أمكن ذلك و بغض النظر عن كونهم  حلفاء   – بإستثناء الكيان الصهيوني طبعا –  أو خصوم ، فهو معجب ببوتين و مستعد ان يترك لروسيا الحرب على داعش  وسيتعاون معها في ذلك  ويعلق قالا  ” هذا امر ايجابي ‘ دعوا روسيا تستهلك نفسها في سوريا كما استهلكت  امريكا نفسها من قبل ” …  ويقول انه لايهتم كثيرا برحيل الاسد ويضيف ” لم لا ندع داعش والاسد يقتتلان ثم ناتي نحن لناخذ ما تبقى ” …  و من واجب دول الخليج ان تشكل جيشا للتدخل في سوريا والعراق لمحاربة الإرهاب ” او عليهم دفع تكاليف حماية أمريكا لهم ” …  و سيعمل على إقامة مناطق آمنة داخل سوريا لنزوح المدنيين وانه سيعيد من قد نزح منهم للخارج الى هذه المناطق وعلى استعداد لارسال قوة امريكية لحماية هذه المناطق  لكن ” على دول الخليج أن تتحمل تكاليف ذلك ” …  يجب التخلي عن سياسة ( الصين الواحدة ) ” اذا لم تبدي الصين تعاون معنا و ترفع قيمة عملتها و تسمح بإقامة المصانع في الولايات المتحدة ” … بل حتى فيما يتعلق  بالمكسيك يجب إقامة جدار فاصل لمنع اللاجئين من الوصول للاراضي الامريكية  ” و سأجبر المكسيك على تحمل تكاليفه ” .
الانطلاق من ”  الإنتهازية والإبتزاز ” لإنتاج السياسات الأمريكية تجاه الشرق الاوسط سيترتب عليها تبني سياسات في إتجاهين الاول عزل منطقة الشرق الاوسط على نفسها سواء فيما يتعلق بالاحداث او مضاعفاتها  ومثال ذلك مافعله الإتحاد الاوربي تجاه أزمة المهاجرين بعقد صفقة مع تركيا لإحتضانهم مقابل مساعدات مالية ، وهو ذاته ما تحدث عنه ترامب بمناطق آمنه للمدنيين داخل سوريا ولكن بصورة أكثر خطورة فلا مساعدات مالية هنا ويجب أن تتحمل المنطقة التكلفة منفردة بل يجب ان تدفع اجور مشاركة القوة الامريكية التي ستشارك في حماية هذه المناطق . وهذا الاتجاه لعزل المنطقة على مشاكلها سيزيد من حدة المشكلات فيها بشكل كبير .. و الإتجاه الثاني هو  الدفع بالعناصر المتناقضة في المنطقة للتصارع المباشر فيما بينها  لتغطية العجز الذي سيترتب على  إنحسار التدخل الأمريكي المباشر في ملفات  المنطقة كالدفع بإتجاه إنشاء تحالفات عسكرية من بعض دول المنطقة لتّدخل عسكريا في دول أخرى كسوريا والعراق لمحاربة الإرهاب وهذا ايضا خطير للغاية في ضل الصراعات السياسية في المنطقة التي ستجعل من هذه التحالفات عدائية وليست تعاونية كما لو جاءت في ظروف سياسية مستقرة .
…….ما يجب أن يتفهمه ترامب القادم للشرق الاوسط هو أن انطلاقه المفترض تجاه قضايا المنطقة يجب أن يكون من منطلق القيم و التعاون البناء كون هذا الإنطلاق هو الوحيد الذي من شأنه جعل السياسات المنبثقة عنه تعود باثار ايجابية  على المنطقة وعلى الولايات المتحدة ايضا وعلى اوربا التي بدأت تعاني من مضاعفات السياسات الامريكية والغربية في المنطقة بشكل كبير  و كذلك على العالم بأسره ، أما ما سينبثق من سياسات عند الإنطلاق  من حسابات التكلفة و حسب لن تكون الا سياسات تعود بآثار سلبية  ،  وبالنظر للتعقيدات البالغة لملفات  الشرق الاوسط ستكون  هذه الاثار سلبية للغاية على المنطقة لنها لن تقف عند حدودها بل ستكون سلبية للغاية على الولايات المتحدة نفسها و على العالم ككل . ويخطى ترامب اذا اعتقد انه من الممكن له ان ينقذ الولايات المتحدة من الغرق في الشرق الاوسط مهما إنتهج من سياسات تجاه ملفاتها الا اذا أمن اولا ان  الفرصة الوحيدة للنجاة هي في انتاج سياسات تنطلق من تجسيد القيم الانسانية  و تراعي المصلحة المشتركة للشرق الاوسط وللولايات المتحدة الأمريكيه  وللعالم و تدعم الحلول المنصفة وفق قيم العدالة دون اي حسابات اخرى .. غير ذلك سيضطرب الشرق الاوسط وسيتحول إلى موجٍ عالٍ سيأكل في الاخير الولايات المتحدة الامريكية نفسها فيمن يأكل .

رئيس مركز الرصد الديمقراطي *

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى