كتاب عدن

هل تصنع دماءُ عدن نهايةً لمراحل مظلمة ؟

مايو 02, 2015
عدد المشاهدات 615
عدد التعليقات 0
هل تصنع دماءُ عدن نهايةً لمراحل مظلمة ؟

* كتب : احمد عبداللاه

من رأى صنعاء في ذلك النهار إعتقد للتو أن هناك عملية تجميل فاشلة أُجريت لملامحها اليابسة الناحلة بفعل المراحل السوداء والعفَن الذي تمرغت بداخله منذ عقود طويلة. هكذا عندما دخل الحوثيون صنعاء في ٢١ سبتمبر الماضي أصيب الناس بارتباك كبير ولم يستطع أحد تفسير ما يحصل، مثلما لم يدرك أحد حقيقة وحجم الاتفاق بين الدولة العميقة والحوثيين. ومع ذلك توهم البعض حينها أن الحوثيين قوة شابة ربما ستغير في المشهد السياسي الذي أوصل الناس الى حالة اليأس والانكفاء على يومياتهم المعتادة وهي تسرّع دواليب العمر لينتشر وباء الشيخوخة المبكرة. لم يدرك أحد أن هناك شرارة لمصيبة كبرى، هي الأبشع في التاريخ، مخبوءة في بنود اتفاق سرّي بين القوة الصاعدة والنظام السابق، ولم يبق على بدء انطلاقها سوى وقت للتهيئة وإعداد الجيوش والمليشيات لساعة الصفر.
في الجانب الآخر اتسم الأداء السياسي الرسمي بالغموض والوهن وأصبح “خبط بسطار” لشبح جندي مسموع أكثر من صوت الدولة المتهالكة. أما الأمم المتحدة فظلت تردد مونولوجها المستهلك على لسان البنعمر وقد امتلأ فمه بزيت الموشحات الأممية التي حفظها الباعة المتجولون في الشوارع من فرط تكرارها، واستنفد سلسلة متواترة من الاجتماعات المعززة بالضيافات التي تضج من “بنات صحونها” مخرجات النحل البلدي، فضاع صاحبنا بين أعراف القبائل ومكر السياسيين وخدَع العالم بكلماته “نحن على وشك” أو “كنا على وشك”، وبالطبع لم يتم تجاوز ذلك ” الوشك” إلّا إلى المصيبة الحاصلة.
الآن لا طبل ولا مزمار صَمتٓ الكلام عن الكلام وأصبح السيف أصدقَ إنباءً. إنتقل الفعل إلى الرياض ثم تقاطر الحجيج السياسي اليها أفواجا، بينما بقيت مدن تحترق وتقاوم، والأبرياء يموتون، في حرب عدوانية هي الأبشع في التاريخ .
نعم عدن تدفع ثمن باهظ لكن أحداً لم يتوقع أنها ستمسك بكل الخيوط فأصبحت سيدة الموقف حين انطلق شبابها، بصورة صادمة للمراقبين، إلى أرض المعركة للدفاع ودحر الغزاة. ومع استمرار البشاعة في قصف المدن والأحياء المكتظة بالسكان لم يرتعب شبابها بل أصبحوا مع مرور الايام أكثر ثبات وقدرة، فاتضح للداخل والخارج أن الأمر الآن أصبح مختلف، وربما صمود عدن كان له الفضل الأول في صلابة الإقليم وعدم تجاوبهم مع أي صفقات أو وساطات للعودة  إلى صناعة اتفاق “سلم وشراكة” بنسخة جديدة تحفظ للمعتدين قدر من الحضور السياسي.
عدن، ومعها مدن الجنوب، تجاوزت قدرات المحللين السياسيين الذين تكاثروا كالذباب الصيفي، وتجاوزت أي خط مرسوم لخطاب الساسة الذي يعج بخلطة عجيبة من المتناقضات، تجاوزتها الى حدود القدرة على التضحية المستمرة ومواصلة الدفاع حتى وضع نهايات شاملة لكل مآسيها، فلن يكون هناك  منطق لأي وفاق سياسي مع مجرمي الحرب أو أتباعهم تحت مظلة مخرجات حوار الموفمبيك البائس، بل يجب أن تكون هناك تسويات استراتيجية حقيقية تبدأ من ضمان حق الجنوب في اختيار مستقبله.
لم تعد هناك أي فرصة لإستمرار الوحدة القسرية مع دولة العسكر والقبيلة والمليشيات الدينية الطائفية بعد هذه الحرب.
عدن عاصمة الجنوب ومعها محيطها تمر بمخاض صعب ومكلف للغاية في سبيل استعادة حريتها كاملةً، فالمرجو من دول التحالف ومعهم “القيادات الرسمية اليمنية” في الرياض، أن يذهبوا إلى ما هو أعمق من الكليشيهات السياسية المتعفنة وأعلى من كل المظلات التي يتم الترويج لها من ساسة وقادة أحزاب اصبحت وجوههم مستفزة للضمائر، وأن يبحثوا في الجذور المسمومة التي أينعت كل هذا الخراب. 
وعود على بدء يظل الخطاب الجنوبي واضحاً، بل يجب أن لا ينخفض سقفه ضيقةً أو حيلةً فالدماء النازفة لا تكتيك فيها ولا مجاز، وزمن العودة إلى حوارات يتم فيها تغييب الجنوب قد ولّى، بل أن العالم يفهم معنى الدم النازف 
ويفهم سرّ هذا الصمود والهدف من وراء هذه التضحيات الجسيمة المروعة ويفهم بأن الثمن لن يكون أقل من الحرية الكاملة.

المصدر : صدى عدن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى