كتاب عدن

عدن التي تحب الأعياد.

سبتمبر 01, 2017
عدد المشاهدات 494
عدد التعليقات 0
سناء مبارك

نغير الألوان هذا بذا ..نستبدل الأعياد عيدًا بعيد ! 
 
أما نحن فقد استبدلنا أعيادنا بما لا يشبه العيد، أيها الرائي الكبير.
يا عبدالله البردوني لقد استبدلتنا الأعياد، تفرّق الصغار وأصبح كل منا في ناحية، هل أخبرتك بأن صديقاتي اللاتي كنت أخبئ عنهن كسوة العيد لأجعلها مفاجأة؛ قد خبأتهم الحياة عني فجأة؟ هل تعلم أن كثير من أصدقائي استشهدوا؟ هل تعلم أننا تفرقنا في كل ناحية ؟ وأننا اغتربنا في كل البلاد؟
 
أشعر بالحنين ويكاد الحجر الذي استحلناه في منافينا يتشقق، أكاد أشتم تلك الرائحة؛ رائحة الحذاء الجديد التي كنت أبيّته تحت رأسي، أكاد أذهب لأفتش في خزانتي عن بدلة “العيد الصباح” وبدلة “العيد العصر”، طقمان في كل يوم، أذهب لأتأكد من لونهما للمرة الألف وأتخيل كيف ستبدو جميعها، من التوكة حتى الشراب المزركش. ما الذي اشترته هبة لهذا العيد ياترى ؟ هل اشترى أسامة “شميز عشوائي” وجزمة “بريجدانس”؟ هل ستتباهى هند “بحذائها الدي دي واه “؟ هل ستسمح أم لينا لها بأن تفك ظفائرها وتحرر “قنازعها” وتنكش شعرها هذه المرة ؟ هل ستكون سارة صاحبة أكبر شرائط “كريشا” في رأسها ؟
 
أنا لا أبكي صدقوني يا أصدقائي، غبار الحنين هو من دخل عيني، غبار أعوام الغربة أخرجه صوت أمي من سقف هاتفي الآن، أحدق في شاشة الهاتف فأرى سقفًا عاليًا مليئًا “بالشجاجين”، سقف الشَجَن، سقف بحاجة لبراعة منفضة الخالة رقية التي تناوبت الحارة كلها على استعارتها، ألمس الشاشة فتندلق على وجهي كومات الرمل التي تنثرها الأمهات خارج البيوت النظيفة.. أنا لا أبكي ولكنها حرقة أصابت أنفي من رائحة “المشمّع” الجديد في بيت جيراننا، يشبه تمامًا غلاف هاتفي يا للمصادفة !.. أنا لا أبكي ولكنها أثار المنظفات النفاذة التي تتداعى من المطابخ والحمامات، شاشتي بحاجة لأن أمسحها هي الأخرى مثل تلك الأسطح، تغبشت بالدخان، دخان البخور كان كثيفًا اليوم وأسال دموعي ..إنها ليلة العيد في عدن البعيدة عني، عدن التي تحب الأعياد والبخور.
 
هاهي يدي التي تركتها تتوكأ على النافذة طويلًا تخضبت، الآثار الحمراء ليست قانية كفاية، أفكر أن أضيف قبضة أخرى من حناء الصبر، مثلما كانت تفعل سارة عندما كنا صغارًا ليلة العيد.. سارة هي ملكة الصبر على الحناء دون منازع، كنا نضع الحناء ونغسله وهي لازالت تمارس تلك العبادة الطويلة، تتركه يجف حتى آخره قبل ان تقشره وتترك الباقي حتى نهار العيد، تضيف لها ابنة خالي عطر وليمون حتى يصبح اللون غامقًا ورغم ذلك لا شيء يحدث.. سنتباهى في الصباح من فينا صاحب “أحنى” كف، لن يكون كف سارة من بيننا، ولا أعرف الآن وأنا أحدق في هذا المكان المعبأ بالصمت إن جاءت صفة اللون “الحاني” من الحنو ام من الحناء، إلا أن أجمل الخضاب حانيه وأجمل الصبر أحناه. وان ظفرت سارة بعد عناء بالأولى في طفولتنا فها أنا احظى بالثانية الآن.. كف مخضبة بآثار حافة نافذة الانتظار المفتوحة على زمن لن يعود..
 
غدًا سنطبخ العطرية والخبز، سأذهب لمعايدة الأهل والجيران، سيعطونا الحلوى والنقود وسنشتري الألعاب والبالونات ونلعب “البيمة” والبطّة (الكوتشينة)، ستضربنا الخالة إيمان على الغالب لأنها تخاف من الألعاب النارية، لكن القليل من الطماش لن يضر، ستكون متعة الحصول على النقود دون عناء رائعة، ستكون الساعة قد قاربت على العاشرة حينما ينتهي خالي من ذبح أضحيتنا، لن احتفل بموت صديقي الخروف الذي أعلفته طوال الأيام الماضية ولن آكل من جسده الممزق، سأحمل اللحم للمحتاجين بعد ان تقسمه أمي في الأكياس، سنكون على موعد مع غذاء العائلة ثم نسهر في تجمعات ضخمة من الأهل والجيران.. سنكون في الأيام القادمة على موعد مع رحلات جماعية، خالي فضل سيأخذنا في سيارته التي سندفعها طيلة الطريق، متعة التكوّم والتكدس داخل هذه الخردة لا تضاهيها متعة، سنغني ونعزف ونضحك ونتعب.. هو العيد على كل حال، لابد أن تتعب لتحظى بالعيد..
 
الآن يجب أن أخلد للنوم، فغدًا يوم طويل من اجترار الذكريات، بيني وبين العيد ليل وأقفار وعمر مضى، بيني وبين العيد كل ما مضى.. سأنام على كل حال، يقولون “النوم يحمل النصيحة” ولعلّه يحمل لنا العيد أيضًا.
 
كل عام وأنتم بخير.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى