هنغاريا.. القطة الغجرية والنقاء المسيحي

سبتمبر 29, 2015
عدد المشاهدات 1194
عدد التعليقات 0
احمد عبد اللاه: هنغاريا.. القطة الغجرية والنقاء المسيحي
احمد عبد اللاه
حين تتجه من عاصمة هنغاريا (المجر) بودابست نحو المنخفضات السهلية تدرك تماماً بأنك تسافر داخل أرض مغلقة قارياً (land locked)، ومنحدرة من حوض “الكارباتيان” الشهير (السهل البانوني) في وسط اوروبا والمحاط بشبه دائرة جبلية تتوزع على الحدود مع البلدان المجاورة خاصة في الشمال. وتتمتع المجر من موقعها هذا بخصوصية المكان بمواصفاته المورفولوجية والجغرافية مع انعكاساته على الشعوب الساكنة هناك عبر أحداث التاريخ القديم والحديث والتي شكلت حاضرها الجيوسياسي والاقتصادي. وربما تتجانس طبيعة البشر التي عُرفت ب”السهلة”، قبل هذا الزمان الغريب، مع سعة “البراري” ذات الافاق الشاسعة التي تغشاها سهوب خضراء لا حدود لها مكللة بهوامش أخاذة من حقول عباد الشمس الصفراء وبعض المروج الخرافية، وتتدرج انحدارات الارض بنسب شبه منتظمة باتجاه منطقة بحيرة “البلاتون” العذبة الواسعة التي تعد من اكبر البحيرات الأوروبية، تساكن ضفافها بعض الينابيع و”البِرك” المعدنية، وتعد من أهم المناطق جاذبية للسياحة في اوروبا.
ومن هذا المقام تعتبر دولة هنغاريا إحدى دول أوروبا المهمة التي تحظى بسفر تاريخي عميق منذ حقبة النشأة كقبائل من الرحَّل مثلت بداية التكوينات البعيدة، ثم شهدت سلسلة من تقلبات الهويات وتكوين الممالك والتبعية لبعض الأمبراطوريات التي سادت في حقب زمنية متباعدة منها الرومانية والعثمانية قبل أن تصبح مكوناً رئيساً في الامبراطورية النمساوية/ المجرية التي ضمت منظومة من “ولايات” أوروبا، حتى تفككت هذه الأخيرة عقب الحرب العالمية الاولى بتحالفاتها المعقدة، وخسرت المجر على إثرها الكثير من أرضها وشعبها.
وبالرغم من تبعيتها للمنظومة الاشتراكية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هنغاريا حرصت أن تتمتع باستقلالية نسبية عن الانضباط الصارم لتطبيقات النظام الاشتراكي الذي رسمته العقائد الفكرية والأيديولوجية للأحزاب الشيوعية الحاكمة، وشهدت ثورات داخلية رافضة للتبعية المطلقة لقواعد النظام الاشتراكي حتى كسرت الحاجز في نهاية العقد الثمانيني حين فتحت حدودها مع النمساء. وكانت تلك سابقة لإشعال فتيل البروسترويكا المتقدمة بنسختها المجرية وشجعت أعداد كبيرة من الألمان الشرقيين المتواجدين حينها على أراضيها للإعتصام أمام سفارة النمساء في بودابست للهجرة نحو الغرب وكانت الشرارة التي امتدت حرائقها الى برلين عاصمة المانيا الديمقراطية في سياق سلسلة من الاحداث قادت الى سقوط الأنظمة الاشتراكية الأوروبية.
ربما هنغاريا بعيدة عن الإهتمام العربي والاسلامي بشكل كبير ولم تدخل دائرة الانتباه الحقيقية للنظام العربي إلا في الحدود الدنيا، لكنها دخلت في الأسابيع الماضية من الأبواب الطارئة إلى ساحات الاهتمام الشعبي العربي خاصة بعد المعاملات اللانسانية التي أبدتها شرطة الحدود الهنغارية مع المهاجرين السوريين والمعاملات القاسية والمذلة في “جمعهم وتفريقهم” وطريقة توزيع الاغذية الزهيدة بصورة مقززة ومثيرة للسخط، مما أثار حفيظة شعوب اوروبا ونخبها ومؤسساتها المدنية قبل أن يُستثار العرب، وأشعل أوساط التواصل الاجتماعي بموسوعة من التعليقات التي تليق بسلوك هنغاريا الرسمي المشين حيث وصفها البعض ب”القطة الغجرية المتوثبة أمام الغرباء”. وتقدم المشهد تلك الحركة العدوانية الصادمة لإحدى المصورات الإعلاميات، التي تناست مهمتها في لحظة حقد لا انساني، لإعاقة الفارين من الشرطة وسجلت بذلك صورة رمزية للمثقف المنتمي للطبقة الوسطى من تلك الارض وما امتلأ به من مشاعر سوداء جراء الضخ الإعلامي لليمين المسيحي. كل ذلك اظهر شكل من انعكاسات الكراهية للعرب والمسلمين ونزعات الاسلاموفوبيا، اذا ما اتفقنا ان الحزب الحاكم هناك والميديا قد زرعت كثير من الخوف في أذهان الهنغاريين تجاه المسلمين بشكل عام.
من زاوية اخرى تعد المجر من اكثر الدول الأوروبية انفتاحاًعلى اسرائيل وهناك حضور قوي للوبيات اليهودية على المستوى الاقتصادي والإعلامي، وفي المجر تراث قديم للوجود اليهودي عبر التاريخ، مع أن النخب اليهودية كالعادة تضغط التواريخ لتطفو على الذاكرة مراحل الاضطهاد البشعة، وهكذا تبرز في السرديات اليهودية الكثير من الاحداث المختلفة حول “الغيتوهات” والترحيل القسري الجماعي من هنغاريا الى معسكر الإعتقال “أوشفيتز بيركينو”في بولندا، خلال المد النازي في اوروبا واحتلال هنغاريا. كل ذلك يجعل هذه الدولة واحدة من البلدان التي تسعى جاهدة نحو بناء الأواصر المتينة المتعددة مع الكيان الصهيوني بالرغم من عدم خلو ما يسمى ب”عداء السامية” في أوساط بعض اليمين المجري. ويعتبر اليمين المهيمن هناك من أكثر الاحزاب الأوروبية الشرقية محافظة على ما أسماه رئيس الوزراء هناك ب”النقاء المسيحي” وربما يعكس ذلك ثقافة متجذرة، حيث حافظت دولة هنغاريا على ثقافتها الدينية المسيحية ذات الأغلبية الكاثوليكية إبان الحقبة الاشتراكية. ويجد اليمين المتطرف في ذلك بيئة مناسبة وخصبة تنمو من خلالها البروباجندات المعادية للعرب والمسلمين بشكل خاص، وتلعب في ساحاتها البعض من المنظمات الموجّهة ادواراً مختلفة في بث مشاعر الكراهية للإسلام.
ما يهم في كل هذا هو أن سوريا التي كانت درة الشرق تاريخياً وحضارياً تنزف بشكل لم يعد يحتمله أي عقل بشري، وربما ذلك النزيف البشري سيحرك العالم لوضع حد نهائي لمأساة سورية التي تدفع ثمن النظام والارهاب معاً حيث يجد كل طرف منهما مبرر لوجوده وتلعب دول العالم على هذه الثنائية كل من زاوية مصلحتها.
ليست حكاية هنغاريا إلا واحدة من تداعيات الزمن العربي المخجل، وإلا لكانت تلك الدولة تزحف على بطنها نحو تعميق علاقاتها بالدول العربية وبشعوبها، إذا كان حكام العرب يحترمون شعوبهم أولاً، وهذه حكاية أخرى.
راي اليوم



