كتاب عدن

نحو حل سياسي للأزمة اليمنية

مارس 15, 2017
عدد المشاهدات 634
عدد التعليقات 0
عمر عبد العزيز
المُستجدُّ سياسياً في المعادلة اليمنية يتمثُّل فيما تتناقله الأوساط الإعلامية العالمية والمتعلقة بإحياء رؤية وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، وما كان لهذا القول أن يكون له مغزىً خاص لولا تصريح وزير خارجية إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي اعتبر رؤية كيري منطلقاً أساسياً للحل السياسي في اليمن. وقد ترافق كل ذلك مع انخراط ميداني أمريكي في الساحة اليمنية، بما يؤشر إلى رغبة الإدارة الجديدة في التركيز الخاص على الحالة اليمنية، بما يؤدي إلى حضورٍ فاعلٍ أكثر مما كان عليه الحال في بقية المناطق العربية الساخنة.
ومن المؤكد أن ما تقوم به إدارة ترامب ليس مقطوع الصلة بالجهود السياسية السابقة لإدارة أوباما، رغماً عن التباينات الظاهرة في إدارتي الديمقراطيين والجمهوريين، فهذه التباينات تتصل غالباً بالشأن الداخلي الأمريكي، لكنها تتناغم عندما يتعلق الأمر بالمنطقة العربية، ولا يمكن تبعاً لذلك أن نشهد انعطافات حادة في الرؤية الأمريكية تجاه الأوضاع العربية، والمحتدمة منها تحديداً، فالولايات المتحدة لا تغير أجندتها السياسية بين عشية وضحاها، ولا تتخلَّى عن براجماتية الدولة العالمية الناظرة لتعددية التعامل مع الملفات المختلفة.
لقاءات وزراء خارجية الولايات المتحدة مع ممثلي التحالف العربي في لندن والرياض، بدت قبل أشهر كما لو أنها تمهيد لما جرى لاحقاً من مقاربة أمريكية تلخَّصت حينها في أن يتنازل الرئيس عبد ربه منصور هادي لنائب له، وأن يُصار إلى تسمية النائب التوافقي بالترافق مع تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأن تنسحب ميليشيات الحوثي وصالح من صنعاء.. مع تسليم سلاح الدولة للدولة.
يومها رفض الرئيس هادي مقاربة كيري واعتبرها مكافأة للانقلاب، وها هي دورة المحاولة الأمريكية تعود مُجدداً بالرؤية المُعدَّلة التي ما زالت طي الكتمان في تفاصيلها الكاملة، والتي يقدمها هذه المرة مبعوث الأمانة العامة للأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ، وتتضمن الرؤية بقاء هادي رئيساً شرعياً حتى الانتخابات الرئاسية المُجدْوَلة وفق المبادرة الخليجية، وأن يتم نقل صلاحيات التسيير الإجرائي لأمور الدولة لرئيس وزراء توافقي بين طرفي النزاع «الشرعية والتمرد»، وأن يتم إلغاء منصب نائب الرئيس.
هذه هي الخطوط العامة للتسوية الافتراضية العسيرة والتي ستواجه مصاعب جوهرية اتساقاً مع متاهة الحرب وتوليداتها الفاجرة على الأرض، فالرئيس هادي سيجد نفسه أمام حقيقة صاعقة، تتلخَّص في تخليه التام عن أمور الإدارة والتسيير ليبقى «الرئيس الرمزي للدولة»، لحين إجراء الانتخابات الرئاسية، وهو أمر قد يقض مضاجع بعض المنتفعين المحيطين به هنا وهناك. وفي المقابل سيواجه تحالف الانقلاب «الحوثي الصالحي» ساعة الحقيقة عندما يُطلب منه تسليم سلاح الدولة، والقبول الناجز بمرئيات المبادرة الخليجية ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، فمن قام بالأمس القريب بالانقلاب على هذه المرجعيات لن ينصاع لها الآن، والشاهد الناصع على ما نذهب إليه أن صالح كان قد وقَّع على المبادرة الخليجية، وأعلن قبوله التام بها، لكنه سرعان ما عمل على تقويضها طوال سنتي التطبيق المُزمَّن للمبادرة، والحوثيون الذين شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني وأعلنوا عن أنفسهم بوصفهم حزباً سياسياً كانوا يخططون لعكس ذلك تماماً، ومن هنا وجه الشك والريبة الذي لن ينحسر في ظل بقاء رموز الانقلاب، ممن كانوا السبب المباشر في هذه الحرب العاتية والمدمرة.
إن مشروع التسوية السياسية الذي يلوح في الأفق لن يتحقق عملياً إلا بإرادة سياسية عربية ودولية، تُباشر أولاً إبعاد المتسببين في المحنة بعد أن تم تقليم أظفارهم، والبحث عن وجوه سياسية وإدارية غير مُلتبسة بمفاسد الحالة القائمة في طرفي المعادلة الثنائية للشرعية والانقلاب. فليس سراً حقيقة أن المُعسكرين مُدجَّجين بعديد الأسماء ذات الماضي المُشين، وأن قولنا بهذه الحقيقة الموضوعية لا يلغي بحال من الأحوال الانتصار للشرعية بل العكس تماماً، فتطهير الشرعية من أدرانها يوازي الانتصار المؤكد لمشروع الدولة الاتحادية التعددية العصرية التي لا بديل عنها.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى